من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٩ - ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا
وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ ونستلهم من هذه الآية المنهج السليم لتربية الطفل الذي كان يتبعه الوالدان المؤمنان، الذي أنشأ الله به ذلك الجيل الصالح الذي احترم الجيل الماضي بالإحسان إليه والاستغفار له، كما عمل في سبيل إنشاء جيل صالح بالدعاء والعمل. وهذا المنهج قائم على أساس توسيع رؤية الطفل ليرى الحياة الأخرى فيوازن بينها وبين الدنيا في قراراته، فيسعى لهما سعيا عادلا، ولا يترك إحداهما للأخرى، لأنهما في الواقع حياة واحدة ممتدة من اليوم حتى يوم الجزاء.
بَيْدَ أن بعض الآباء يخفقون في هذا السبيل، وعليهم ألا يقلقوا فقد أدوَّا مسؤوليتهم، وما جعل الله لهما سلطانا يكرهان به ولدهما على اتباع الحق. كيف وقد خاطب الله رسوله الكريم لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢]، وقال لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِ [البقرة: ٢٥٦].
وقد خلق الله الناس أحرارا يبتليهم، ولعلنا نستفيد من هذه الآية أن مسؤولية الدعاة وحملة الرسالة تقتصر على البلاغ، وحتى لو كانت لديهم قوة رادعة فلا يستحسن التوسل بها لإكراه الناس على اتباع الرشد، فبالرغم من أن للوالدين السيطرة الطبيعية على الولد إلا أنهما حين يقومان بدور الداعية يستفرغان الجهد في إقناعه بالحجة، وليس بإكراهه، وعادة ينجحان، أما إذا فشلا فذلك أمر يعود إلى وجود حرية القرار عند الولد الذي قد يتمرَّد على الحق بحجة أنه تقاليد بالية وأفكار رجعية.
فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ويبدو من هذه الكلمة أنه متمرِّد على الماضي، ويتهمه بأنه يمثل الخرافة والدجل، وهذا شأن صراع الأجيال الذي يحرم الجيل الصاعد من ثقافة الجيل السائد وتجاربه وعبره وعظاته، ويقضي على التواصل الحضاري الذي هو عنوان تقدم الأمم.
وقد كان لهذا النفس المشؤوم آثاره السيئة علينا نحن المسلمين في العصر الحديث، حيث لم يميِّز الشباب بين السمين والغث من تجارب آبائهم فرفضوها، وسعوا نحو تقليد الأجانب، فكانوا كالغراب الذي حاول تقليد الطاووس في مشيته فلم يفلح فضيع المشيتين!
إن من لا يملك أصالة لا يستطيع الانتفاع بتجارب الآخرين، لأنه لا يملك مقياسا سليما يميز به ما ينفعه من تجاربهم وما يضره، فيكون كمن يبني على الرمال سرعان ما ينهار بناؤه. وقد دلت تجارب التاريخ على أن الأمم ذات الأصالة هي الأقدر على احتواء تجارب غيرها من الأمم المتمردة على تاريخها ومكاسب حضارتها.