من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧ - قرآنا عربيا لعلكم تعقلون
وقد ألف أحد المستشرقين كتابا بالإنجليزية عن الإسلام فقال: لا أستطيع أن أبيَّن لكم- أنتم أيها الإنجليز- عذوبة آيات القرآن، ولطافة معانيه، وكيف يؤثر في العربي .. ويضيف قائلا: إنه لن يفهم القرآن أحد حتى يتعلم العربية لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ هذا هدف رسالاته جميعا، وكلمة (لعل) تدل على معنى الرجاء والهدفية؛ أي إنما جعلنا القرآن عربيا لكي تعقلوا، والعقل هو موهبة لا يختلف الناس في أصلها، ولكنهم يختلفون في مدى استفادتهم منها، لذلك جاءت الكلمة بصيغة الفعل أي تستفيدون من العقل.
[٤] وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ إن هذا القرآن هو انعكاس للكتاب الذي عند الله سبحانه وهو أصل الكتاب.
والأم بمعنى الأصل والأساس، والذي أستوحيه من هذه الآية أن عند الله كتابا مكنونا هو أم الكتاب، من نوره يفيض على البشر كتبه سبحانه، فمنه أنزل على نوح عليه السلام رسالته، وعلى إبراهيم عليه السلام كلماته، وبعث موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام بالتوراة والإنجيل، ومنه أيضا آتى محمداصلى الله عليه واله القرآن.
وقياس كل كتاب إلهي يتم بميزان أم الكتاب الذي يسمى- فيما يبدو- باللوح المحفوظ، وحينما يقاس القرآن به يكون الأعلى رتبة، والأحكم شريعة ودينا، فهو يعلو كل دين، وينفع الناس بما فيه من حكمة وعلم.
[٥] يزعم المسرفون الذين أترفوا في الحياة الدنيا أنهم عباد الله المقربون. أوَلَيسَ قد أنعم عليهم بالغنى، فهو إذا يحبهم ويكرم مثواهم، ويقودهم هذا الزعم الشيطاني إلى وهم خطير حيث يحتسبون أنهم فوق القانون، وأعلى من الذكر.
ومن جهة أخرى: مادام الإسراف ذنبا عظيما يتوهَّم البعض أنه يمنع عن المترفين رحمة الرسالة، كلا .. فلا الإسراف خير يجعل المترفين فوق الإنذار بالرسالة، ولا هو مانع من منة ابتعاث الرسل أَفَنَضْرِبُ عَنكُمْ الذِّكْرَ صَفْحاً نترككم بدون تذكرة وبدون رسل يذكرِّونكم ما نسيتموه؟ وأصل الضرب صفحا- كما قالوا- ضرب وجه الدابة حتى تصرف وجهها جانبا أَنْ كُنتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ أي بسبب إسرافكم؟
كلا .. وقد جرت سنة الله بإرسال الرسل يذكرون الناس، وقد بعث رسالاته إلى المستهزئين رحمة بعباده.
ويبدو أن الإسراف رأس سلسلة من الانحرافات، وهو بدوره ناشئ من جهل الإنسان