من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦ - قرآنا عربيا لعلكم تعقلون
الذي عند الله، وبعد بيان أن إسراف الجاهليين لا يمنع رحمة الله عنهم بتذكيرهم يعالج السياق واحدة من أبرز عقبات الإيمان، التي يهتم القرآن كثيرا بها، وهي حالة اللامبالاة والاسترسال مع الواقع الفاسد، التي تنعكس في صورة الاستهزاء بالرسالة والسخرية من الرسول، ويبدو أن منشأ هذه الحالة الرضا بالواقع القائم، فما دام الباطل يحقق أهدافي ومصالحي، ويشبع طموحي ورغبتي، لماذا الاستماع إذا إلى داعي الله؟
ذلك لأن الباطل ضار زاهق، وإنما الحق وحده باق نافع، انظر مثلك السابقين، واعتبر بعاقبتهم، فإنك لا تملك حياتين تجرب في إحدهما السبل الكفيلة لسعادتك، وتعمل في الأخرى بتلك التجارب، إنما للإنسان فرصة واحدة، وإذا مرت فلن تعود أبدا، وقد جرت سنة السابقين على أن من يتبع الحق يسعد في الدنيا والآخرة، وأن من يتبع الباطل تنتهي حياته بالبأساء والضراء، ويحيط به في الآخرة عذاب أليم .. وإن هذا يعطينا حافزا قويا للبحث عن الحقيقة، والنزوع عن حالة الاسترسال.
بينات من الآيات
[١] حم من الحروف المقطعة التي سبق أن فسرناها.
[٢] وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ قسما بالكتاب الذي يحتوي على الحقائق ويبينها.
[٣] إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لعل الله قد جعل كتابه المنبعث من اللوح المحفوظ عربيا للأسباب التالية
أولًا: إن لغة الضاد أفضل لغات البشر إفصاحا عن الحقائق والضمائر، واسمها (العربية) مشتق من الإعراب أي الإفصاح، ولذلك فهي اللغة الأم عند الله التي بها نزلت كتب الله أصلا إلا أنها ترجمت عند الأنبياء بقدرة الله إلى ألسنة أممهم، وقد جاء في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام
[مَا أَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كِتَاباً وَلَا وَحْياً إِلَّا بِالعَرَبِيَّةِ فَكَانَ يَقَعُ فِي مَسَامِعِ الأَنْبِيَاءِ عليهم السلامبِأَلْسِنَةِ قَوْمِهِمْ وَكَانَ يَقَعُ فِي مَسَامِعِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه واله بِالعَرَبِيَّةِ] [١].
ثانياً: لقد قدر الله بحكمته البالغة أن يحمل العرب رسالته إلى الأمم فأنزل الكتاب بلسانهم.
ثالثاً: إن ربنا يكرر القول بأن الكتاب قد نزَّله عربيا ليدعو سائر الأمم- كما يبدو- لتعلم هذه اللغة، حتى يستوعبوا لطائف كتاب ربهم، والإشارات البلاغية التي تعجز الترجمات عن بيانها.
[١] بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٢٦٣.