من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٤ - فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ تلتقي كلمة الْمُتَّقِينَ مع تعبير وَوَقَاهُمْ في نقطة مهمة، وهي أن التقوى التي كانت تحجز هؤلاء عن ارتكاب المعصية في الحياة الدنيا، هي التي تكون واقية لهم من العذاب في الآخرة.
[٥٧] ومع ذلك يؤكد ربنا بأن هذا الجزاء ليس نتيجة التزام الإنسان بتعاليم رسالة الله، لأن ذلك واجب طبيعي عليه فطرة وعقلا، فهو خالقه ورازقه ومالكه الذي يهب له الحياة لحظة بلحظة، ويأتي هذا التأكيد والتذكير ليعين المتقين على مواجهة الغرور والعجب.
فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وبدون هذا الفضل الإلهي لا يفوز بشر أبدا، ولا ينجو من العذاب، وفي الحديث القدسي قال عزَّ من قائل
[فَلَا يَتَّكِلِ العَامِلُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا لِثَوَابِي فَإِنَّهُمْ لَوِ اجْتَهَدُوا وأَتْعَبُوا أَنْفُسَهُمْ وأَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي عِبَادَتِي كَانُوا مُقَصِّرِينَ غَيْرَ بَالِغِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ كُنْهَ عِبَادَتِي فِيمَا يَطْلُبُونَ عِنْدِي مِنْ كَرَامَتِي والنَّعِيمِ فِي جَنَّاتِي ورَفِيعِ دَرَجَاتِيَ العُلَى فِي جِوَارِي ولَكِنْ فَبِرَحْمَتِي فَلْيَثِقُوا وبِفَضْلِي فَلْيَفْرَحُوا وإِلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِي فَلْيَطْمَئِنُّوا فَإِنَّ رَحْمَتِي عِنْدَ ذَلِكَ تَدَارَكُهُمْ ومَنِّي يُبَلِّغُهُمْ رِضْوَانِي ومَغْفِرَتِي تُلْبِسُهُمْ عَفْوِي فَإِنِّي أَنَا اللهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وبِذَلِكَ تَسَمَّيْتُ]
[١]، وحتى الأنبياء والأولياء إنما يدخلون الجنة بفضل الله، وحتى أعمالهم الصالحة، إنما هي فضل من الله عليهم. أوَلَم يقل ربنا مخاطبا سيد البشر محمد صلى الله عليه واله إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً [الإسراء: ٨٧].
[٥٨] وقبل أن يختم ربنا سورة الدخان يصف كتابه الكريم، وهو المنهاج الذي يبلغ بالإنسان درجة التقوى ثم الجنة، وبالتالي هو فضل الله الذي ينجي به من النار إذا ما استذكر به واتبع آياته الميسرة فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ هكذا يلخِّص ربنا هدف كتابه في التذكرة، لأنه بما فيه من مواعظ ومعارف إنما جاء ليذكر الإنسان بعهده مع ربه. أوَلَيس أعدى أعداء البشر في الحياة الغفلة؟ بلى، وما وظيفة الأنبياء والرسل عليهم السلام سوى تبليغ هذه التذكرة وبيانها للناس .. ولولا أن الله سبحانه قد يسَّر القرآن لم يكن البشر يعقلون حرفا منه، كيف وهو يذكرنا بالغيب المحجوب علمه عنا، بتلك السنن الثابتة لحقائق الخلق، بصفات الرب، بأشراط الساعة، بما في الحياة الآخرة التي قد تبعد عنا ملايين السنين، وفي الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
[لَوْلَا تَيْسِيْرِهِ لَمَا قَدِرَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِحَرْفٍ مِنَ القُرْآنِ، وَأَنَّى لَهُمْ ذَلِكَ وَهُوَ كَلَامِ مَنْ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ][٢].
[١] الكافي: ج ٢ ص ٦٠.
[٢] تفسير روح البيان، للبروسوي: ج ٨ ص ٤٣٣.