من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٢ - فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
الآخرة في صورة الثواب، فكيف يضحِّي إذا شك في الجزاء؟.
وقد حذَّر الإمام علي عليه السلام من خطر الشك فقال
[لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلًا ويَقِينَكُمْ شَكّاً إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا]
[١]، ومشكلة أكثر الناس أنهم يعلمون الحق ويؤمنون به، ولكنه لا يتحول في حياتهم إلى منهاج عمل، لجبْنِهم وفرارهم من تحمل المسؤولية، فإذا بهم يشككون أنفسهم.
إن على الإنسان أن لا يشك بأن هواجس الشيطان تحيط به من كل جانب، بل ويستعد لمواجهتها، بخوف العاقبة السوء، وعزيمة الإيمان.
[٥١- ٥٣] وفي مقابل هذه الصورة يبيِّن لنا القرآن الحكيم نعيم المتقين وكرامتهم عند الله، وتختلف نعم الآخرة عن الأخرى الدنيوية. إنها خاصة بالمتقين، وهم الذين يحفظون أنفسهم عن المحرمات، ويؤلمون أنفسهم بترك الهوى، وبالصبر على المصائب وألوان الأذى في الله، وأخيرا بالاستقامة على الحق حتى الموت، ذلك أن طريق الجنة محفوف بالصعاب والمكاره، يقول الإمام علي عليه السلام وهو يوبِّخ الذين يريدون الجنة بلا ثمن
[أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ وتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللهُ عَنْ جَنَّتِهِ ولَا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ] [٢].
نعم، إن الإنسان لا يستطيع بلوغ طموحاته اليومية، بالتمنيات والأحلام، فكيف يبلغ بها الجنة وهي أسمى الطموحات، وأعلى الأهداف؟! ثم إن الإنسان يحقق طموحاته في الدنيا بالسعي، بينما لا يكفي السعي وحده لدخول الجنة، إنما لا بد من العمل الصالح الذي يخلص صاحبه فيه نيته، إذ لا يتقبل الله إلا من المتقين، والكثير من الناس يصلون ويصومون ويحجون وينفقون ولكن عبثا، ولا يبلغون بذلك جنات الخلد، لأنها ليست خالصة لله، وكيف ترفع الصلاة المحاطة بالشرك والسهو؟! وكيف يتقبل الصيام رياء وسمعة؟! وكيف يكون سعي الحاج مشكورا وحجه مبرورا وهو يخضع للطاغوت؟! إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]. وفي الأخبار أن العبادة أو الشعيرة التي يمارسها صاحبها لغير وجه الله تصير يوم القيامة حجرا تصك بها جبهته.
ونتساءل: من هو المتقي إذن؟
إن المتقي هو الذي يتحول فعل الخير في حياته إلى سلوك مستمر، أما الذي يفعل الخير إذا حقق مصالحه وأهواءه، وأما إذا مُحِّص بالبلاء تركه، فإنه ليس بمتق .. وربنا وعد المتقين وحدهم
[١] بحار الأنوار: ج ٢ ص ٣٦.
[٢] بحار الأنوار: ج ٣٤ ص ٨٩.