من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١١ - فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
وسطها وإهانتهم خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ والإعتال هو السحب بغلظة وإيذاء، وإن كان المعني من ظاهر الآية أبو جهل إذ جاءت الصيغة بالمفرد، إلا أنها تشمل كل مجرم، وصيغة المفرد بيان للخذلان الذي يلقاه أهل النار من أقرانهم وسادتهم في الدنيا حيث لا ناصر ولا معين لهم فيها.
[٤٨- ٤٩] وبعد سحب كل واحد منهم إلى سواء الجحيم، يأمر الله ملائكة العذاب بإهانته ماديا، بصبِّ العذاب على رأسه، وهو أكرم موضع لدى الإنسان، ومعنويا بالكلمات الجارحة، وهذا جزاء الاستكبار في الدنيا على الحق والمؤمنين ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ وحيث الدلالة في مِنْ تنصرف للتبعيض، تدل الآية على أن العذاب لا يُصبُّ مرة واحدة، وإنما مرات ومرات بلا انقطاع، مبالغة في الإيذاء، وهل ينتهي الأمر إلى هذا الحد وحسب؟ كلا .. إنما يهان بالكلام أيضا فيقال له ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
وروي في جوامع الجامع أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه واله: [مَا بَيْنَ جَبَلَيِهَا أَعَزَّ ولَا أَكْرَمَ مِنِّي] [١]. وفي تفسير علي بن إبراهيم قال: [إنَّ ذَلكَ رَدٌّ عَلَى أَبِي جَهْلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ أبَا جَهْلٍ كَانَ يَقُولُ: أَنَا العَزِيزُ الكَرِيمُ فَيُعَيَّرُ بِذَلِكَ فِي النَّارِ] [٢].
والمعروف عند المفسرين: [إن ذلك إهانة واستهزاء إلى جانب العذاب المادي، وهو نظير لإكرام الله المؤمنين في الجنة بالسلام عليهم إضافة لنعيمها]، واستدلوا لذلك بقوله تعالى وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣].
وهذا تفسير صواب، ولكن يبدو لي تفسير آخر للآية وهو: أن الله لم يخلق الإنسان ليلاقي هذا المصير السيئ، وإنما خلقه ليرحمه فيعيش كريما معززا، ولكنه اختار هذا المصير، واشتراه بعمله السيئ، إذ لم يستطع الاستقامة على الفطرة والصبر على الحق، والآية جاءت تذكيرا لهذه الحقيقة.
[٥٠] أما عن السبب الذي يوصل الإنسان إلى الذلِّ بعد العزَّة، وإلى الهوان بعد الكرامة، فهو شكه في الجزاء، لأن الشك فيه يجعله يعيش بعيدا عن المسؤولية والرقابة تجاه سلوكه وأعماله إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ أي تشكون والشك أعدى أعداء الإيمان، لأنه ينتهي إلى الكفر والجحود، ويعطِّل طاقات الإنسان وقدراته أن يوجهها في صناعة المستقبل الأبدي، فهو إنما يلتزم بالحق، ويضحِّي من أجله بكل شيء، عند إيمانه بأن هذه التضحيات سوف ترد عليه في
[١] تفسير جوامع الجامع للشيخ الطبرسي: ج ٣ ص ٣٢٩.
[٢] بحار الأنوار: ج ٨ ص ٣١٣.