من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٨ - فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
يَرْجِعُونَ [الأعراف: ١٦٨].
وهذا النوع من الابتلاء قد يكون أعظم خطورة على الإنسان من الأول، وقد رأينا في تاريخ البشرية كيف أن الكثير من الناس يصمدون أمام الإرهاب والتعذيب، ويتحدون الطاغوت بصلابة واستقامة، ولكنهم ينهارون أمام الإغراء، ولذلك يجب على الإنسان أن يحذر النعم كحذره من النقم وأشد من ذلك، ولن يفلح في حياته إلا إذا جعل حقيقة البلاء أمامه في كل حال، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام
[فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ واحْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ]
[١]، وقال
[أَيُّهَا النَّاسُ لِيَرَكُمُ اللهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النِّقْمَةِ فَرِقِينَ] [٢].
[٣٤- ٣٥] وبعد هذه الأفكار التمهيدية ينتهي السياق إلى البصيرة الأم في الدرس ليؤكد العدالة والجزاء، ويستنكر مزاعم الكفار والمشركين بأن الدنيا هي آخر المطاف.
إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ لأنهم لا يدرسون التاريخ، ولا ينظرون إلى الحياة نظرة موضوعية، وإلا لاهتدوا إلى حكمتها، وأنها قائمة على أساس العدل، مما يؤكد وجود الدار الآخرة، والموتة الأولى هي الوفاة التي زعموا أنها النهاية فلا نشأة بعدها ولا حياة، كما قالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [الأنعام: ٢٩].
[٣٦] وإذ أنكروا البعث والنشور حاولوا تبرير هذا الاعتقاد بطلب، قالوا فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ولو أن الله يحيي آباءهم ما كان ذلك يجعلهم يؤمنون، لأنهم يتشبثون بهذه الفكرة تبريرا لكفرهم، ولو بطلت نظريا أو عمليا لبحثوا لهم عن تبرير آخر للإصرار على الضلالة.
[٣٧] لذلك فإن القرآن لا يجازيهم، وهل يغيِّر ربنا سنته في الكون للإجابة عن تساؤل تافه للمشركين؟ كلا .. وإنما يوجه أنظارهم إلى الآيات الكفيلة بهداية من يريد إلى الإيمان بالبعث، وذلك بإثارتهم نحو التفكير في سنة الجزاء الحاكمة في الكون من خلال دراسة شواهدها في التاريخ، فهؤلاء قوم تبع ومن يسبقهم من الأقوام لقوا جزاءهم حينما اختاروا سبيل الضلال والجريمة أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ وتُبَّع أحد ملوك اليمن الصالحين، اقتفى آثار أحد الأولياء، وتبعه في مسيرته، وفي الأخبار نهي عن لعنه، فعن النبي صلى الله عليه واله أنه قال
[لَا تَسُبُّوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ]
[٣]. وإنما الذين أجرموا قومه فأخذهم
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٥١.
[٢] نهج البلاغة: حكمة: ٣٥٨.
[٣] بحار الأنوار: ج ١٤ ص ٥١٣.