من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٧ - فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنْ الْمُسْرِفِينَ وأيُّ إهانة أعظم من أن يسلب الإنسان حريته، ويصير عبدا للطغاة، يسحقونه لتعلو مكانتهم، ويسلبونه لكي يبذروا ويسرفوا؟!
إن فرعون هو الآخر لقي جزاءه العادل في الدنيا لضلاله وانحرافه، فهو من جهة كانت علاقته مع الناس العلو والاستكبار، وكانت علاقته مع الطبيعة علاقة التبذير والإسراف.
وكلمة عَالِياً لا تدلُّ هنا على العلو في الإسراف، وإنما العلو على الناس، وربُّنا عزَّ وَجَلَّ يبيِّن ذلك في آية أخرى حين يقول تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً [القصص: ٨٣]، أي الذين لا تكون علاقتهم مع الآخرين الاستكبار والتعالي، ولا مع الطبيعة الفساد، وهكذا يفسر القرآن بعضه بعضا.
[٣٢] أما النعم الإلهية الأخرى على بني إسرائيل بعد النجاة من حكم الطاغوت، فهي تفضيلهم على سائر الأمم، واختيار الله لهم حملة لرسالته، لا لشيء فيهم سوى أنهم تجاوزوا الفتنة الكبرى في الحياة، وأثبتوا جدارتهم- بالسعي- لهذه المنزلة.
وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ بجدارتهم، وتميزهم بإيمانهم وصالح أعمالهم.
عَلَى الْعَالَمِينَ إذن فعلينا وعلى الأمم التي تنشد التقدم أن لا تسعى للاستعلاء في الدنيا، فلكي نحقق هذه الغاية علينا أن نوفر عوامل الحضارة في أنفسنا، كالتزكية، والتعاون، والتعود على الخشونة، والمثابرة في العمل، والصبر، والاستقامة على الحق، وعندها سوف يوفقنا الله، ويفضلنا على غيرنا، وسنتقدم، ومعنى العالمين- حسب المفسرين- الناس المعاصرين لهم، إذ إن الله فضل المسلمين على غيرهم حين امتثلوا أحكام الله فقال كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠].
[٣٣] وتفضيل الله لأمة من الناس على غيرهم لا يعني أنهم يبقون الأفضل للأبد، أو أنهم يبعدون عن دائرة الامتحان والابتلاء، كلا .. فربنا أعطى بني إسرائيل آيات القدرة والعلم والفضيلة، ورزقهم النصر على عدوهم، وتواتر عليهم أنبياؤه ورسله، ولكن هذه النعمة كانت تحمل في طياتها ألوانا من الامتحان وَآتَيْنَاهُمْ مِنْ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ الابتلاء سنة ثابتة في الحياة لا يغيرها شيء، بلى، قد ينتقل الإنسان الفرد أو المجتمع من حال العسر إلى حال اليسر، ولكنه يبقى معرضا للامتحان في الحالين سواء، فإذا كان القهر والعذاب الذي حل ببني إسرائيل بلاء بالسيئة، فإن الإغراءات التي تنطوي عليها سائر النعم التي أعطيت لهم بعد النصر كانت بلاء بالحسنة، وقد قال ربنا سبحانه وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ