من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٥ - فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ [١] وَإِسْتَبْرَقٍ [٢] مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩).
هدى من الآيات
ينظر المؤمن إلى الحياة نظرة عقلانية تنعكس على سلوكه الشخصي الاجتماعي وعلى تعامله مع الطبيعة، فهو يؤمن بالعدالة الإلهية التي تحكم الخلق جميعا، ويرى أن لكل شيء هدفا خلق من أجله، فللسماء هدف، وللأرض هدف، ولكل مخلوق هدف.
وإن سنَّة الجزاء التي تتجلى في جميع أبعاد حياة البشر مظهر لتلك الهدفية، التي يشير إليها ربنا الكريم، ولكن في الجانب الاجتماعي منه، مما يثير السؤال: لماذا لا يتركز الحديث عن الفرد؟.
والجواب: لأن تفاعل الأفراد مع بعضهم، ومن ثَمَّ انصهارهم في بوتقة المجتمع- لا يدع المفسر أو الموجه يتحرك عن الفرد الواحد، في تحليله أو توجيهاته، فالمجرم لا يكون وحده مجرما، إنما يمارس الجريمة ضمن مجموع متجانس وبنية اجتماعية معينة، ولو حدث أن اقترف الجرم شخص واحد فإنك تجد آثار المساهمة الاجتماعية واضحة فيه، بالسكوت والتشجيع تارة، وبالتعاون تارة أخرى، ولذلك فإن الذي يتحمل الجزاء ليس الفرد في غالب الأحيان وإنما المجتمع بأكمله.
وعندما يبيِّن القرآن حكمة الجزاء يضرب لنا مثلا من واقع المجتمعات الغابرة التي جزيت بأفعالها على الرغم من قوتها وكيدها، وهذا الجانب من التاريخ البشري يعكس هدفية الحياة وعقلانيتها.
إن الذي يعمل شيئا لا يستطيع الهروب من الجزاء، فهو إن لم يلحقه عاجلا فسوف يلقاه
[١] سندس: هو الحرير الرقيق.
[٢] استبرق: هو الحرير الخشن، ولكلٍ فضل، فالأول ألين مساً والآخر أكثر جمالًا في العين.