من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٢ - وألا تعلوا على الله
الواسع والساكن (الخافض والوادع) ومعنى ذلك أن يترك الطريق كما هو واسعا وادعا ليغري فرعون بالسير فيه تمهيدا لهلاكه وقومه.
[٢٥- ٢٧] واستجاب موسى لأمر الله فجمع بني إسرائيل وأخبرهم بالأمر، فتحركوا ليلا، وعندما وصلوا الماء ضربه موسى عليه السلام بعصاه فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: ٦٣] وسار بنو إسرائيل بأسباطهم الاثني عشر على الفروق، وقد تبعهم فرعون وجنده، فلما توسطوا البحر التقى الماء بأمر الله فأغرقوا بأجمعهم، وخلفوا وراءهم كل ما جمعوه من حطام الدنيا الزائلة، فخسروا بفشلهم أمام الفتنة الكبرى نعيم الدارين وهكذا ذهب آل فرعون وخلفوا وراءهم حضارتهم المادية التي أطغتهم عن القيم الإلهية. لقد اجتهدوا لاستصلاح الأراضي وإنشاء بساتين على جانبي النيل، تجري فيها عيون الماء من قنوات متصلة بالنيل، ووراء جنات الأشجار كانت الأراضي الخصبة التي تزرع فيها أنواع الحبوب، وقد أعطتهم هذه الثروة الزراعية أموالا طائلة بنوا بها بيوتهم المرفهة المؤثثة بكل وسائل الراحة في ذلك اليوم، وقد طار صيتهم في الآفاق، ونالوا مقاما كريما.
وقد بلغت حضارتهم مستوى تجاوزت مرحلة الصعوبات، وبلغت مرحلة التفكه والتلذذ فنقلوا جميعا إلى النيل كعبة آمالهم، ومعبد غرورهم وكبريائهم، وأهلكوا ثمة دون أن يمس حضارتهم سوء كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ فأصبحوا عبرة لغيرهم عبر الأجيال، بينما ينبغي للإنسان أن يعتبر بغيره لا أن يكون نفسه عبرة للآخرين.
[٢٨- ٢٩] ثم يقول ربنا كَذَلِكَ أي إن هذه سنة تجري في الحياة على كل من يترك القيم، ويرفض هدى الله، وما هذه النهاية المريعة التي صار إليها فرعون وجنده وملؤه إلا صورة لعاقبة كل أمة ترفض قيادة الحق، وتسلم زمامها لقيادة الطغاة.
وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ وهؤلاء بدورهم ممتحنون بهذه الأشياء فلا بد أن يتجاوزوا الفتنة بنجاح، وإلا فلن يكون مصيرهم أحسن من سابقيهم، الذين دمرهم الله. ولعل الآية تشير إلى وراثة بني إسرائيل لأرض مصر بعد هلاك آل فرعون، وتدل على ذلك آيات أخرى.
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ قد يصل الأمر بالإنسان- وبالذات الحاكم- أن يعتقد بأن الحياة متوقفة عليه، وأنه مركز الكون، ولكن الحقيقة ليست كذلك، فهو لو تغير من موقعه أو انتهى أجله لا يطرأ أي تغير على الطبيعة سوى ذهابه، الذي لا يغير شيئا من سننها أو واقعها.