من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠١ - وألا تعلوا على الله
والرجم حسبما يظهر لي يستبطن معنى اغتيال شخصية الرسول بالإشاعات الباطلة، ثم اغتيال شخصه بطريقة يساهم كل الناس في قتله فيضيع دمه بينهم حتى لا يترك مجالا لوليه بالثأر.
وهكذا تجمع بين معنيين أشار إليهما المفسرون لكلمة الرجم: الرجم بالحجارة، والرجم بالشتم، والواقع أن الرجم الأول هو نتيجة الرجم الآخر.
[٢١] ثم إنه عليه السلام بين لهم خطأ منطق القوة في مواجهة المنطق الحق، وأن المنطق الموضوعي هو قبول الرسالة والإيمان بها، أو اعتزال صاحبها وتركه والناس حتى يحكم الزمن بصدقه أو كذبه وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ.
[٢٢] ولكنهم رفضوا إلا منطق الجريمة فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ فالذنب بالنسبة إليهم ليس عرضا يقعون فيه بسبب الغفلة أو النسيان، وإنما هو أساس تقوم عليه حياتهم، فهم مرتكزون في الجريمة.
وهذه الآيات وكثير من الآيات القرآنية التي تحدثنا عن معاناة الأنبياء مع أقوامهم، تؤكد ثلاث مراحل تمر كل رسالة بها، المرحلة الأولى هي بعث النبي واختلاطه بالناس وسعيه لهدايتهم، والمرحلة الثانية هي تكذيبهم له واعتزاله عنهم، أما المرحلة الثالثة فهي حلول العذاب عليهم من قبل الله مباشرة، أو على أيدي المؤمنين بقيادة الرسول أو من يمثله في المجتمع، وإنما ينبغي اعتزال المجتمع الكافر لكي لا يشمل العذاب المؤمنين، أو للإعداد للصراع في مواجهة الكافرين.
[٢٣] وقد أمر ربنا موسى عليه السلام والذين آمنوا معه بالانفصال عن فرعون وقومه تمهيدا لحلول العذاب عليهم، وأكد ربنا على أن يكون الاعتزال في ظروف سرِّية حتى تتم العملية بنجاح، فكان الليل أكثر مناسبة للحركة.
فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ من قبل فرعون وجنده، ذلك أنهم يرفضون أي حركة تحررية في المجتمع. ولعل الحكمة من إضافة كلمة لَيْلًا لجملة أَسْرِ التي هي تكفي دلالة على الحركة بالليل، لتوضيح أن كل السفر ينبغي أن يكون بالليل.
[٢٤] وحيث انفلق البحر لموسى وبني إسرائيل، وعبِّروا من خلاله للطرف الآخر من اليابسة، أمره الله أن يتركه على حاله منشطرا، لكي يتبعهم الظلمة من خلاله فإذا توسطوا البحر جميعهم أغرقهم وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ وقد ذكروا لكلمة الرهو معنيين