المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٨
و مقدّماته المعتبرة، و إنّما يجب تحصيل العلوم الآليّة من النحو و الصرف و اللّغة و غيرها على التقدير الثاني دون الأوّل غالبا و من لم يمكنه الوصول إليهم و لم يكن له سبيل إلى الاستنباط المذكور إما لعجزه عنه أو عن تحصيل شرائطه جاز له تقليد عالم متديّن يحسن اعتقاده فيه من الّذين يستنبطون و إن اختلفوا أخذ بقول الأعلم و الأورع و إن اشتبه الأمر عليه فهو بالخيار و يحتاط في العمل ما استطاع و في حديث أهل البيت عليهم السّلام في باب اختلاف الرواية عنهم «بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك» [١].
(الباب الرابع) في بيان سبب إقبال الخلق على المناظرة و ذكر شروطها و آدابها و آفاتها
- و قد تصرّفت في عنوان هذا الباب و في تقرير كلام أبي حامد تصرّفا ما.
(بيان سبب إقبال الخلق على المناظرة)
اعلم أنّه لمّا أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام لم يعلموا شيئا اضطرّوا إلى الاستعانة بالفقهاء و إلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في جميع مجاري أحكامهم إلى طلبهم لتولية القضاء و الحكومات، فرأى أهل تلك الأعصار عزّ العلماء و إقبال الولاة و الحكّام عليهم مع إعراضهم عنهم فاشرأبّوا لطلب العلم توصّلا إلى نيل العزّ و درك الجاه من قبل الولاة فأكبّوا على الفتاوي و عرضوا أنفسهم على الولاة و تعرّفوا إليهم و طلبوا الولايات و الصلات منهم، فمنهم من حرم و منهم من أنجح، و المنجح لم يخل عن ذلّ الطلب و مهانة الابتذال فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين و بعد أن كانوا أعزّة بالإعراض عن السلاطين أذلّة بالإقبال عليهم إلّا من وفّقه اللّه في كلّ عصر من علماء دينه ثمّ ظهر بعدهم من الصدور و الأمراء من سمع مقالات الناس في قواعد العقائد و مالت نفسه إلى سماع الحجج فيها فعلمت رغبته إلى المناظرة و المجادلة في الكلام فانكبّ الناس إلى علم الكلام و أكثروا فيها التصانيف، و رتّبوا فيها طرق المجادلات، و استخرجوا فنون المناقضات في المقالات، و زعموا أنّ غرضهم الذّبّ عن دين اللّه، و النضال عن السنّة و قمع البدعة،
[١] الكافي ج ١ ص ٦٦.