المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٢
(فصل) و أمّا الطامّات
فيدخلها ما ذكرناه في الشطح و أمر آخر يخصّها، و هو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام شيء كدأب الباطنيّة في التأويلات و هذا أيضا حرام و ضرره عظيم فإنّ الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه ينقل عن صاحب الشرع و من غير ضرورة تدعوا إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ و يسقط به منفعة كلام اللّه عزّ و جلّ و كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّ ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به و الباطن لا ضبط له بل تتعارض فيه الخواطر و يمكن تنزيله على وجوه شتّى، و هذا أيضا من البدع الشائعة العظيم ضررها و إنّما قصد أصحابها بها الإغراب لأنّ النفوس مائلة إلى الغريب و مستلذّة له، و بهذا الطريق يتوصّل الباطنيّة إلى هدم جميع الشرائع بتأويل ظواهرها و تنزيلها على رأيهم كما حكيناه من مذهبهم في الكتاب المستظهري المصنّف في الردّ على الباطنيّة و مثل تأويلات أهل الطامّات قول بعضهم في تأويل قوله تعالى: «اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى [١]» أنّه أشار إلى قلبه و قال: هو المراد بفرعون الطاغي على كلّ إنسان، و في قوله تعالى: «أَلْقِ عَصاكَ [٢]»، أي كلّ ما تتوكّأ عليه و تعتمده ممّا سوى اللّه تعالى فينبغي أن تلقيه، و في قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «تسحّروا فإنّ في السحور بركة [٣]» أراد به الاستغفار بالأسحار، و أمثال ذلك حتّى يحرّفون القرآن من أوّله إلى آخره عن ظاهره و عن تفسيره المنقول عن العلماء و بعض هذه التأويلات يعلم بطلانها قطعا كتنزيل فرعون على القلب فإنّ فرعون شخص محسوس تواتر إلينا وجوده و دعوة موسى له كأبي لهب و أبي جهل و غيرهما من الكفّار و ليس من جنس الملائكة و الشياطين و ما لم يدرك بالحسّ حتّى
[١] طه: ٢٤.
[٢] الأعراف: ١١٧.
[٣] أخرجه البخاري في الصحيح ج ٣ ص ٣٦ و ابن ماجه تحت رقم ١٦٩٢ و مسلم ج ٣ ص ١٣٠.