المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٠
(فصل) قال أبو حامد: «و إنّما يضاعف عذاب العالم في معصيته
لأنّه عصى عن علم و لذلك قال اللّه عزّ و جلّ: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» [١] لأنّهم جحدوا بعد العلم، و جعل اليهود شرّا من النصارى مع أنّهم ما جعلوا للَّه سبحانه ولدا و لا قالوا: إنّه ثالث ثلاثة[١]، و لكنّهم أنكروا بعد المعرفة إذ قال تعالى:
«يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ» [٢]، و قال عزّ و جلّ: «فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ» [٣] و قال تعالى في قصّة بلعم بن باعورا: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها- حتّى قال تعالى-: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ[٢]و ذلك للعالم الفاجر فإنّ بلعم كان أوتي كتاب اللّه عزّ و جلّ فأخلد إلى الشهوات فشبّهه بالكلب أي سواء أوتي الحكمة أو لم يؤت فهو يلهث إلى الشهوات.
و قال عيسى عليه السّلام: «مثل علماء السوء مثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي تشرب الماء و لا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع، و مثل علماء السوء كمثل قناة الحشّ ظاهرها جصّ و باطنها نتن[٣]، و مثل القبور ظاهرها عامر و باطنها عظام الموتى» فهذه الأخبار و الآثار تبيّن أنّ العالم الّذي هو من أبناء الدنيا أخسّ حالا و أشدّ عذابا من الجاهل و أنّ الفائزين المقرّبين هم علماء الآخرة و لهم علامات فمنها أن لا يطلب الدنيا بعلمه فإنّ أقلّ درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا و خسّتها و كدورتها، و انصرامها، و عظم الآخرة و دوامها و صفاء نعيمها و جلالة ملكها، و يعلم أنّهما متضادّتان، و أنّهما كالضرّتين مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، و أنّهما ككفّتي
[١] هو قول النسطورية و الملكانية منهم القائلين بالاقانيم الثلاثة.
[٢] الأعراف: ١٧٥. و اللهث في اللغة إخراج الكلب لسانه من فمه.
[٣] الحش- بالفتح-: الكنيف و موضع قضاء الحاجة. (النهاية)
[١] النساء: ١٤٤.
[٢] البقرة: ١٤١.
[٣] البقرة: ٨٣.