المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٧٥
إلى فهم ما يقرأه في الصلاة و يشغلها به عن غيره و يعينه على ذلك أن يستعدّ له قبل التحريم بأن يجدّد على نفسه ذكر الآخرة و موقف المناجاة و خطر المقام بين يدي اللّه تعالى و هول المطّلع، و يفرغ قلبه قبل التّحريم بالصلاة عمّا يهمّه، فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره، قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعثمان بن أبي شيبة: «إنّي نسيت أن أقول لك: تخمّر القدير الّذي في البيت فإنّه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل الناس عن صلاتهم»[١]فهذا طريق تسكين الأفكار فإن كان لا يسكن هائج أفكاره بهذه الدّواء المسكّن فلا ينجيه إلّا المسهل الّذي يقمع مادّة الدّاء من أعماق العروق و هو أن ينظر في الأمور الشاغلة الصارفة له عن إحضار القلب و لا شكّ في أنّها تعود إلى مهمّاته و أنّها إنّما صارت مهمّا بشهواته فليعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات و قطع تلك العلائق، فكلّ ما يشغله عن صلاته فهو ضدّ دينه و جند إبليس عدوّه، فامساكه أضرّ عليه من إخراجه فيتخلّص عنه بإخراجه.
كما روي «أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا لبس الخميصة الّتي أتاه بها أبو جهم و عليها علم و صلّى فيها نزع بعد صلاته و قال: اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنّها ألهتني آنفا عن صلاتي و ائتوني بأنبجانيّة أبي جهم و أمر بتجديد شراك نعله، ثمّ نظر إليه في الصلاة إذ كان جديدا فأمر أن ينزع منها و يردّ الشراك الخلق[٢]».
و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد احتذى نعلا فأعجبه حسنها فسجد فقال: تواضعت لربّي كيلا يمقتني ثمّ خرج بها فدفعها إلى أوّل سائل لقيه، ثمّ أمر عليا عليه السّلام أن يشتري له نعلين سبتيّتين
[١] قال العراقي: الحديث أخرجه أبو داود من حديث عثمان الحجى و هو عثمان ابن طلحة كما في مسند أحمد و وقع للمصنف أنه قال ذلك لعثمان بن شيبة و هو وهم
[٢] قال الفيومى في المصباح: الخميصة: كساء أسود معلم الطرفين و يكون من خز أو صوف و ان لم يكن معلما فليس بخميصة. و ظاهر النووي في شرحه على صحيح مسلم أن الكساء إذا كان له علم فهو خميصة و إذا لم يكن له علم فهو انبجانية ا ه و هي- بالباء المفتوحة- كما في القاموس في مادة ن ب ج و منبج- كمجلس- موضع، و كساء منبجانى و انبجانى بفتح بائهما نسبة على غير قياس. و الخبر رواه مسلم في صحيحه ج ٢ ص ٧٨ و نحوه النسائي في السنن ج ٢ ص ٧٢. و ابن ماجه تحت رقم ٣٥٥٠.