المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٦
و منها[١]أن يكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة،
المرغّب في الطاعة، متجنّبا للعلوم الّتي يقلّ نفعها و يكثر فيها الجدال و القيل و القال، فمثل من يعرض عن علم الأعمال و يشتغل بالجدال مثال رجل مريض به علل كثيرة و قد صادف طبيبا حاذقا في وقت ضيق يخشى عليه فواته فاشتغل بالسؤال عن خاصيّة العقاقير و الأدوية و غرائب الطبّ و ترك مهمّه الّذي هو مؤاخذ به و ذلك محض السفه، و قد روي أنّ رجلا جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال له: علّمني من غرائب العلم، فقال له: ما صنعت في رأس العلم؟
قال: و ما رأس العلم؟ قال: هل عرفت الربّ؟ قال: نعم، قال: و ما صنعت في حقّه؟
قال: ما شاء اللّه، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: فما أعددت له؟ قال:
ما شاء اللّه، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: اذهب فأحكم ما هنالك ثمّ تعال نعلّمك غرائب العلم». [١] بل ينبغي أن يكون التعلّم من جنس ما روي عن بعض السلف أنّه قال له استاده:
منذ كم صحبتني؟ فقال: منذ ثلاث و ثلاثين سنة، قال: فما تعلّمت منّي في هذه المدّة؟ فقال:
ثمان مسائل، فقال الأستاذ: إنّا للَّه و إنّا إليه راجعون ذهب عمري معك و لم تتعلّم إلّا ثمان مسائل: قال: يا استاد لم أتعلّم غيرها و لا أحبّ أن أكذب، فقال له: هات الثمان مسائل حتّى أسمعها؟
قال: الأولى نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كلّ واحد يحبّ محبوبا فهو مع محبوبه إلى القبر فإذا وصل إليه فارقه فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي، فقال: أحسنت.
فما الثانية؟ قال: نظرت في قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى» [٢] فعلمت أنّ قوله سبحانه هو الحقّ فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتّى استقرّت عليّ طاعة اللّه تعالى.
الثالثة أنّي نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كلّ من معه شيء له قيمة عنده و مقدار
[١] من كلام أبي حامد.
[١] أخرجه ابن عبد البر في العلم كما في المختصر ص ٩٧.
[٢] النازعات: ٤٠.