المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٢
و تفاوته بين العينين ليكون الجملة وترا، فإنّ للوتر فضلا على الزّوج، فإنّ اللّه وتر يحبّ الوتر، فلا ينبغي أن يخلو فعل العبد عن مناسبة لوصف من أوصاف الربّ، و لذلك استحبّ الإيتار في الاستجمار، و إنّما لم يقتصر على الثلاث و هو وتر لأنّ اليسرى لا يخصّها إلّا واحدة و الغالب أنّ الواحدة لا تستوعب أصول الأجفان بالكحل و إنّما خصّص اليمين بالزيادة لأنّ التفضيل لا بدّ منه للإيتار و اليمين أفضل فهي بالزيادة أحقّ[١].
و إن قلت: لم اقتصر على اثنين لليسرى و هو زوج؟ فذلك ضرورة إذ لو جعل لكلّ واحدة وترا كان المجموع زوجا إذ الوتر مع الوتر زوج و رعاية الإيتار في مجموع الفعل و هو في حكم الخصلة الواحدة أحبّ من رعايته في الآحاد، و لذلك أيضا وجه و هو أن يكتحل في كلّ واحدة ثلاثا و لو ذهبت أستقصي دقائق ما راعاه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حركاته لطال الأمر فقس على ما سمعته ما لم تسمعه، و اعلم أنّ العالم لا يكون وارثا[٢]إلّا إذا اطّلع على جميع معاني الشريعة حتّى لا يكون بينه و بين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا درجة و هي درجة النبوّة و هي الدرجة الفارقة بين الوارث و المورث، إذ المورث هو الّذي حصل المال له و استقلّ بتحصيله و اقتدر عليه، و الوارث هو الّذي لم يحصل و لم يقدر عليه و لكن انتقل إليه و تلقّاه منه بعد حصوله له، فأمثال هذه المعاني مع سهولة أمرها بالإضافة إلى الأغوار و الأسرار لا يستقلّ بدركها ابتداء إلّا الأنبياء عليهم السّلام و لا يستقلّ باستنباطها تلقّيا بعد تنبيه الأنبياء عليها إلّا العلماء الّذين هم ورثة الأنبياء صلوات اللّه عليهم».
[١] العجب من أبي حامد حيث تفوه بأمثال هذه الكلمات التي لا طائل تحتها و لا ينبغي للمؤمن أن يضيع عمره في إصغاء أمثال هذه الترهات. لان الخبر الذي ورد «أنه صلّى اللّه عليه و آله و يكتحل في عينه اليمنى ثلاثا و في اليسرى اثنين» رواه الطبراني في الكبير و الأوسط و البزاز في مسنده عن عقبة بن على و هو ضعيف و أيضا معارض للخبر الذي رواه الكليني كما مر و كذا الخبر الذي رواه أحمد ج ١ من المسند ص ٣٥٤ بالاسناد الحسن عن ابن عباس انه صلّى اللّه عليه و آله كان يكتحل في كل عين ثلاثة اميال.
و على فرض صحة الخبر لعل وجهه تفاوت العينين من جهة القوة و الضعف لا ما نسجه أبو حامد من الاباطيل.
[٢] أي للنبي صلّى اللّه عليه و آله كما في الاحياء.