المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٩
فاعلم أنّ التسوية غير لازمة بل بينهما فرق و ذلك أنّ الفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه: الأوّل أنّه علم شرعيّ أي مستفاد من النبوّة بخلاف الطبّ فإنّه ليس من علم الشرع، الثاني أنّه لا يستغني عنه أحد من سالكي طريق الآخرة البتّة لا الصحيح و لا المريض، و أمّا الطبّ فلا يحتاج إليه إلّا المرضى و هم الأقلّون، الثالث أنّ علم الفقه مجاور لعلم طريق الآخرة لأنّه نظر في أعمال الجوارح، و مصدر الأعمال و منشؤها صفات القلوب، فالمحمود من الأعمال يصدر من الأخلاق المحمودة المنجية في الآخرة و المذموم يصدر من المذموم، و ليس يخفى اتّصال الجوارح بالقلب، و أمّا الصحّة و المرض فمنشؤهما صفات في المزاج و الأخلاط و ذلك من أوصاف البدن لا من أوصاف القلب، فمهما أضيف الفقه إلى الطبّ ظهر شرفه: و إذا أضيف علم طريق الآخرة إلى الفقه ظهر أيضا شرف علم الآخرة».
[رد شديد للمؤلف على أبي حامد في معنى علم الفقه]
(١) أقول: ما ذكره أبو حامد من أوّل الفصل إلى آخره ليس على ما ينبغي و ليس معنى علم الفقه ما زعمه بل هو علم شريف الهيّ نبويّ مستفاد من الوحي ليساق به العباد إلى اللّه عزّ و جلّ و به يترقّى العبد إلى كلّ مقام سنّي، فإنّ تحصيل الأخلاق المحمودة لا يتيسّر إلّا بأعمال الجوارح على وفق الشريعة الغرّاء من غير بدعة، و تحصيل علوم المكاشفة لا يتيسّر إلّا بتهذيب الأخلاق و تنوير القلب بنور الشرع و ضوء العقل، و ذلك لا يتيسّر إلّا بالعلم بما يقرّب إلى اللّه عزّ و جلّ من الطاعات المأخوذة من الوحي ليتأتى بها العبد على وجهها، و العلم بما يبعّد عن اللّه عزّ و جلّ من المعاصي ليجتنب عنها، و المتكفّل بهذين العلمين إنّما هو علم الفقه، فهو أقدم العلوم و أهمّها، و قد ورد عن أهل البيت عليهم السّلام أنّه ثلث القرآن فكيف لا يكون من علم الآخرة ما هذا شأنه فكأنّ أبا حامد لم يفرّق بين الخلافة النبويّة الحقّة الّتي يعتبر فيها رعاية قلوب الرعيّة من الإمام الداعي و إصلاحها و بين السلطنة المتغلّبة الجائرة الّتي لا يعتبر فيها ذلك فصار ذلك منشأ خطائه، و بالجملة يجب على كلّ مكلّف أن يحصل من علم الفقه ما يحتاج إليه بنفسه بفرض العين و ما يحتاج إليه غيره بفرض الكفاية سواء فيه العبادات و المعاملات من غير فرق، و أمّا فقهاء العامّة فليس يصلح فقههم أن يعدّ من العلم حتّى يقال إنّه من