المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٧
قد امتحن اللّه قلبه للإيمان، و أمّا سائر ذلك من موالينا فإنّ أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتّى يستكمل و ينقي من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء و الأوصياء، و إنّما يدرك ذلك بمعرفة العقل و جنوده و مجانبة الجهل و جنوده، وفّقنا اللّه و إيّاكم لطاعته و مرضاته».
و بإسناده [١] «عن الحسن بن الجهم قال: سمعت الرضا عليه السّلام يقول: صديق كلّ امرئ عقله و عدوّه جهله».
(بيان حقيقة العقل و اقسامه)
اعلم أنّ الناس اختلفوا في حدّ العقل و أقسامه و حقيقته و ذهل الأكثرون عن كون هذا الاسم مطلقا على معان مختلفة فصار ذلك سبب اختلافهم، و الحقّ الكاشف للغطاء فيه أنّ العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان كما يطلق اسم العين مثلا على معان عدّة و ما يجري هذا المجرى، فلا ينبغي أن يطلب لجميع أقسامه حدّ واحد بل يفرد كلّ قسم بالكشف عنه.
الأول الوصف الّذي به يفارق الإنسان سائر البهائم و هو الّذي به استعدّ لقبول العلوم النظريّة و تدبير الصناعات الخفيّة الفكريّة و هو الّذي أراده الحارث المحاسبيّ حيث قال في حدّ العقل: إنّه غريزة يتهيّأ بها إدراك العلوم النظريّة و تدبير الصناعات و كأنّه نور يقذف في القلب، به يستعدّ لإدراك الأشياء، و لم ينصف من أنكر هذا و ردّ العقل إلى مجرّد العلوم الضروريّة، فإنّ الغافل عن العلوم و النائم يسمّيان عاقلين باعتبار وجود هذه الغريزة مع فقد العلوم و كما أنّ الحياة غريزة بها يتهيّأ الجسم للحركات الاختياريّة و الإدراكات الحسيّة فكذلك العقل غريزة بها يتهيّأ بعض الحيوانات للعلوم النظريّة و لو جاز أن يسوّى بين الإنسان و الحمار في الغريزة و يقال لا فرق بينهما إلّا أنّ اللّه تعالى بحكم إجراء العادة يخلق في الإنسان علوما و ليس يخلقها في الحمار و سائر البهائم لجاز أن يسوّى بين الجماد و الحمار في الحياة و يقال:
أيضا: لا فرق إلّا أنّ اللّه تعالى يخلق في الحمار حركات مخصوصة بحكم إجراء العادة فانّه
[١] المجلد الأول ص ١١ تحت رقم ٤.