المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٠
إن كان مقصدهم الدنيا، فإنّ العلماء و أبناء الآخرة مسافرون إلى اللّه عزّ و جلّ و سالكون إليه الطريق، و الدّنيا و سنوها و شهورها منازل الطريق و الترافق في الطريق بين المسافرين إلى الأمصار سبب التوادّ و التحابّ، فكيف السفر إلى الفردوس الأعلى و الترافق في طريقه و لا ضيق في سعادة الآخرة فلذلك لا يكون بين أبناء الآخرة تنازع و لا سعة في سعادات الدنيا، فلذلك لا ينفكّ عن ضيق التزاحم و العادلون إلى طلب الرئاسة بالعلوم خارجون عن موجب قوله عزّ و جلّ: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» [١] و داخلون في مقتضى قوله عزّ و جلّ: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» [٢].
الثانية أن يقتدي بصاحب الشرع صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلا يطلب على إفاضة العلم أجرا
و لا يقصد به جزاء و لا شكورا بل يعلّم لوجه اللّه تعالى و طلبا للتقرّب إليه، فلا يرى لنفسه منّة عليهم و إن كانت المنّة لازمة عليهم بل يرى الفضل لهم إذ هذّبوا قلوبهم لأن يتقرّب إلى اللّه تعالى بزراعة العلوم فيها كالّذي يعيرك أرضا لتزرع فيها لنفسك زراعة فمنفعتك بها تزيد على منفعة صاحب الأرض إذ تقلّد به منّة منه و ثوابك في التعليم أكثر من ثواب المتعلّم عند اللّه عزّ و جلّ، و لو لا المتعلّم ما نلت هذا الثواب فلا تطلب الأجر إلّا من اللّه سبحانه قال اللّه تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً» [٣] فإنّ المال و ما في الدنيا خادم البدن، و البدن مركب النفس و مطيّتها، و المخدوم هو العلم إذ به شرف النفس فمن طلب بالعلم المال كان كمن مسح أسفل مداسه و نعله بمحاسنه لينظفه فجعل المخدوم خادما و الخادم مخدوما و ذلك هو الانتكاس على أمّ الرأس[١]و مثله هو الّذي يقوم في العرض الأكبر مع المجرمين ناكسي رءوسهم عند ربّهم، و على الجملة فالفضل و المنّة للمعلّم و انظر كيف انتهى أمر الّذين يزعمون أنّ مقصودهم التقرّب إلى اللّه عزّ و جلّ بما هم فيه من علم الفقه و الكلام و التدريس فيهما و في غيرهما، فإنّهم يبذلون المال و الجاه و يتحمّلون أصناف الذلّ في خدمة السلاطين لاستطلاق الجرايات و لو تركوا ذلك
[١] انتكس المريض وقع على رأسه.
[١] الحجرات: ١٠.
[٢] الزخرف: ٦٧.
[٣] الانعام: ٩٠.