المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٩
«أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» [١] و إنّ من لم يهتد لنور الشرع و لم يطابقه عقله فليس من ذوي العقول في شيء و إنّ العقل فضل من اللّه و نور كما أنّ الشرع رحمة منه و هدى و «إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ» [٢] و «يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ» [٣] «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» [٤] «وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» [٥]
(فصل) اعلم أنّ أعقل العقلاء نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خير الشرائع شرعه،
(٢) و إنّما أرسله اللّه و أنزل معه الكتاب ليقوم الناس بالقسط فصدع بأمر اللّه و هدى الخلق إلى الصراط المستقيم، و أرشدهم إلى معرفة صانعهم و يوم آخرهم ببيانات و براهين ناسبت عقولهم، و نبّههم على أدلّة و حجج بلغت إليها أفهامهم، و أكمل لهم أمور دينهم، و إنّما أتى كلّ طائفة من ذلك بما يصلح لعقله و فهمه من بيّنة و برهان و خطابة و جدال بالّتي هي أحسن و معجزة إلى غير ذلك و إنّما أتى مع كلّ دعوى بحجّة و برهان ليكونوا على بصيرة من أمرهم و «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» و لئلاّ يحتاج أمّته إلى آثار السالفين فيما يهمّهم و يعنيهم من أمر الدّين، فليس لقائل أن يقول: إنّ ثبوت الأنبياء عليهم السّلام و الشرائع يتوقّف على ثبوت الصانع و صفاته الكماليّة فكيف يعرف الصانع و صفاته بالشرع؟ و ذلك لأنّه لو لم يكن صاحب هذه الكلم و التبيانات مقبول القول و معصوم الفعال لكان فيها الحجّة من حيث مطابقتها لمقتضى العقول السليمة فإنّ براهينه هي المتّبعة، و بيّناته و حججه هي الملزمة، على أنّ ما يتوقّف عليه الشرع من معرفة الصانع و صفاته يجري مجرى الضروريّات الّتي يحكم بها كلّ من له أدنى مسكة كما سيأتي بيانه، فثبت أنّ ما ورد في الشرع كاف في الاهتداء إلى طريق الحقّ مع ما جبل عليه أهل السلامة من العقل المطبوع فلا حاجة إلى تكلّفات المتكلّفين على اختلاف طبقاتهم
[١] الفرقان: ٤٤.
[٢] آل عمران: ٧٣.
[٣] النور: ٣٥.
[٤] النور: ٤٠.
[٥] الأحزاب: ٤.