المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٣
يتطرّق التأويل إلى ألفاظه و كذلك حمل التسحّر على الاستغفار فإنّه كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يتناول الطعام و يقول: «تسحّروا فإنّ في السحور بركة» و «هلمّوا إلى الغداء المبارك [١]» فهذه أمور يدرك بالتواتر و الحسّ بطلانها و بعضها يعلم بغالب الظنّ و ذلك في أمور لا يتعلّق بها الإحساس و كلّ ذلك حرام و ضلالة و إفساد للدّين على الخلق و لم ينقل شيء من ذلك عن الصحابة و لا عن التابعين، و لا يظهر لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار [٢]» معنى إلّا هذه النمط و هو أن يكون غرضه و رأيه تقرير أمر و تحقيقه فيستجيز شهادة القرآن إليه و يحمله عليه من غير أن يشهد لتنزيله عليه دلالة لفظيّة لغويّة أو نقليّة و لا ينبغي أن يفهم منه أنّه يجب أن لا يفسّر القرآن بالاستنباط و الفكر فإنّ من الآيات ما نقل فيها عن الصحابة و المفسّرين خمسة معان و ستّة و سبعة و يعلم أنّ جميعها غير مسموعة من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّها قد تكون متنافية لا تقبل الجمع فيكون ذلك مستنبطا بحسن الفهم و طول الفكر و لهذا قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لابن عبّاس: «اللّهم فقّهه في الدّين، و علّمه التأويل [٣]» و من يستجيز من أهل الطامّات مثل هذه التأويلات مع علمه بأنّها غير مرادة من الألفاظ و يزعم أنّه يقصد به دعوة الخلق إلى الحقّ يضاهي من يستجيز الاختراع و الوضع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما هو في نفسه حقّ و لكن لم ينطق به الشرع كمن يضع في كلّ مسألة يراها حقّا حديثا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ذلك ظلم و ضلال و دخول في الوعيد المفهوم من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» بل الشرّ في تأويل هذه الألفاظ أطمّ و أعظم[١]لأنّها مبطلة للثقة بالألفاظ و قاطعة طريق الاستفادة و الفهم من القرآن بالكلّيّة فقد عرفت كيف صرف الشيطان دواعي الخلق من العلوم المحمودة إلى المذمومة و كلّ ذلك من تلبيس العلماء السوء بتبديل الأسامي فإن اتّبعت هؤلاء اعتمادا على الاسم
[١] من طم الماء إذا غمر، و طم الشيء إذا كثر حتى علا.
[١] أخرجه النسائي ج ٤ ص ١٤٥.
[٢] أخرجه الترمذي و ابن جرير الطبري كما نقله أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي في مقدمة تفسيره ص ٢.
[٣] مفردات الراغب ٢٥٢ و الاتقان في طبقات المفسرين ج ٢ ص ١٨٧.