المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٠
و تشعّب آرائهم و تناقض أهوائهم في إبداء الأدلّة و إنهاض الحجج على أمور الدّين فإنّهم جمعوا بين الجهل و سوء الأدب، أمّا الجهل فلكونهم ما عرفوا موضع الدّلالة فيما نصبه الحقّ دليلا، و أمّا سوء الأدب فمعارضتهم له سبحانه بما دخلوا فيه ممّا يزعمونه دليلا فجعلوا نظرهم في الدّين أتمّ في الدّلالة بما دلّ عليه الحقّ تعالى عن ذلك، أ فأنزل اللّه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه؟ أم أنزل اللّه دينا تامّا فقصّر الرسول عن تبليغه و أدائه، و اللّه سبحانه يقول: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» [١] و فيه تبيان كلّ شيء[١]، قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «إنّ القرآن ظاهره أنيق و باطنه عميق لا تفنى عجائبه و لا تنقضي غرائبه و لا تكشف الظلمات إلّا به» [٢].
(فصل) [وصايا السيّد رضي الدّين عليّ بن طاوس]
قال السيّد رضي الدّين عليّ بن طاوس- رحمه اللّه- في وصاياه لابنه [٣]: اعرف يا ولدي أنّ المبتدي إذا قال له الأستاذ: لا طريق لك إلى معرفة اللّه إلّا بنظرك في الجسم و الجوهر و العرض و حدوثها، و إنّ حدوث الجسم لا يثبت إلّا بالحركة و السكوت فإنّ المبتدي ما يفهم بفطرته زيادة هذه الأعراض على الأجسام إلّا بأن يتعب في إنفاق كثير من الأوقات في تصوّر حدّ الجسم و تصوّر العرض و تحقيق زيادتها على الأجسام و حفظ ما يتعلّق بذلك كلّه من معنى و كلام و ربّما وجدت الأستاذ عاجزا في حدود هذه المعاني غير أن يعبّر ألفاظها المعهودة المأخوذة حتّى يكاد أن يقلّد قائلها و ناقلها و يحتجّ بأنّها قول فلان و فلان و قولهم كالحجّة في معانيها ثمّ إذا فهم من أستاده زيادة الحركة على الأجسام فإنّه ما يكاد يفهم زيادة السكون على الجسم في ظاهر أوائل الأفهام و لا يدرك على التعجيل لزوم حدوث الجسم من حدوث الحركة و السكون
[١] ان أراد به القرآن فالآية هكذا «وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ» النحل: ٨٩.
[١] الانعام: ٣٨.
[٢] النهج خطبة: ١٨.
[٣] راجع كشف المحجة من تآليفه.