المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧
لم يتكلّم الأنبياء- صلوات اللّه عليهم- مع الخلق إلّا في علم الطريق و الإرشاد إليه، و أمّا علم المكاشفة فلم يتكلّموا فيه إلّا بالرمز و الإيماء على سبيل التمثيل و الإجمال، علما منهم بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال
«و العلماء ورثة الأنبياء [١]»
فما لهم سبيل إلى العدول عن نهج التأسّي و الاقتداء، ثمّ إنّ علم المعاملة ينقسم إلى علم ظاهر- أعني العلم بأعمال الجوارح- و إلى علم باطن- أعني العلم بأعمال القلوب- و الجاري على الجوارح إمّا عبادة أو عادة، و الوارد على القلوب الّتي هي بحكم الاحتجاب عن الحواسّ من عالم الملكوت إمّا محمود و إمّا مذموم[١]فكان المجموع أربعة أقسام و لا يشذّ نظر في علم المعاملة عن هذه الأقسام.
الباعث الثاني أنّي رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الّذي صلح عند من لا يخاف اللّه سبحانه للتذرّع[٢]به إلى المباهاة، و الاستظهار بجاهه و منزلته في المنافسات و هو مرتّب على أربعة أرباع- و المتزيّي بزيّ المحبوب محبوب- فلم أبعد أن يكون تصوير هذا الكتاب بصورة الفقه تلطّفا في استدراج القلوب و لهذا تلطّف بعض من رام استمالة قلوب بعض الرؤساء إلى الطبّ فوضعه على هيئة تقويم النجوم موضوعا في الجداول و الرّقوم و سمّاه تقويم الصحّة ليكون أنسهم بذلك الجنس جاذبا لهم إلى المطالعة، و التلطّف في اجتذاب القلوب إلى العلم الّذي يفيد حياة الأبد أهمّ من التلطّف في اجتذابها إلى الطبّ الّذي لا يفيد إلّا صحّة الجسد، فثمرة هذا العلم طبّ القلوب و الأرواح المتوصّل به إلى حياة تدوم أبد الآباد، فأين منها الطبّ الّذي يعالج به الأجساد و هي معرضة بالضرورة إلى الفساد[٣]في أقرب الآماد[٤]. فنسأل اللّه سبحانه التوفيق و الإرشاد و السداد إنّه الكريم الجواد».
[١] في الإحياء هاهنا زيادة [فبالواجب انقسم هذا العلم إلى شطرين ظاهر و باطن، و الشطر الظاهر المتعلق بالجوارح انقسم إلى عادة و عبادة و الشطر الباطن المتعلق بأحوال القلب و أخلاق النفس انقسم إلى مذموم و محمود].
[٢] أي التوسل: تفعل من الذريعة. و في الإحياء [المتدرع به إلى المباهاة].
[٣] في الإحياء [بالضرورة للفساد].
[٤] جمع أمد أي الوقت.
[١] الكافي ج ١ ص ٣٢ و أخرجه أبو داود في سنة ج ٢ ص ٢٨٥، و ابن ماجة في سننه تحت رقم ٢٢٣ و هو جزء من حديث أبي الدرداء.