المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٢
و راعي الشّاء يحمي الذئب عنها
فكيف إذا الرّعاة لها ذئاب
و قيل:
يا معشر القرّاء يا ملح البلد
ما يصلح الملح إذا الملح فسد
و قيل لبعض العارفين: أ ترى أنّ من تكون المعاصي قرّة عينه لا يعرف اللّه؟ قال:
لا أشكّ أنّ من تكون الدنيا عنده آثر من الآخرة أنّه لا يعرف اللّه تعالى و هذا دون ذلك بكثير، و لا تظنّنّ أنّ ترك المال يكفي في اللّحوق بعلماء الآخرة فإنّ الجاه أضرّ من المال و لذلك قيل: «حدّثنا» باب من أبواب الدنيا[١]و إذا سمعت الرجل يقول: «حدّثنا» و إنّما يقول: أوسعوا لي.
و قيل: فتنة الحديث أشدّ من فتنة الأهل و المال و الولد، و قيل: العلم كلّه دنيا و الآخرة منه العمل به، و العمل كلّه هباء إلّا الإخلاص.
و قال عيسى عليه السّلام: «كيف يكون من أهل العلم من يكون مسيره إلى آخرته و هو مقبل على دنياه؟ و كيف يكون من أهل العلم من يطلب العلم ليخبر به لا ليعمل به [١]» و عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «من طلب علما ممّا يبتغى به وجه اللّه تعالى ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة» [٢].
[علائم علماء الآخرة]
[الزهد و الخشوع]
و قد وصف اللّه عزّ و جلّ علماء السوء بآكل الدنيا بالعلم و وصف علماء الآخرة بالخشوع و الزهد فقال في علماء الدنيا: «وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا» [٣] و قال في علماء الآخرة: «وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» [٤].
[١] قوله «حدثنا» يعنى قول حدثنا فهو مبتدأ و «باب من أبواب الدنيا» خبره.
[١] أخرج شطره الأول ابن الشيخ في أماليه ص ١٣٠ و تمامه الدارمي في سننه ج ١ ص ١٠٣.
[٢] أخرجه أبو داود في سننه ج ٢ ص ٢٩٠ و أخرجه ابن عبد البر أيضا في العلم عن أبي هريرة كما في المختصر ص ٩٠.
[٣] آل عمران: ١٨٧.
[٤] آل عمران: ١٩٩.