المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧١
الإنسان إلّا نفسه و صفات نفسه ممّا هو حاضر له في الحال أو ممّا كان له من قبل، ثمّ بالمقايسة إليه يفهم ذلك لغيره، ثمّ قد يصدّق بأنّ بينهما تفاوتا في الشرف و الكمال، فليس في قوّة البشر إلّا أن يثبت للَّه ما هو ثابت لنفسه من الفعل و العلم و القدرة و غيره من الصفات مع التصديق بأنّ ذلك أكمل و أشرف، فيكون معظم تحويمه على صفات نفسه لا على ما اختصّ الربّ تعالى به من الجلال و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»[١]و ليس المعنيّ به أنّي أعجز عن التعبير عمّا أدركته بل هو اعتراف بالقصور عن إدراك كنه جلاله و لذلك قال بعضهم: ما عرف اللّه بالحقيقة سوى اللّه و قال آخر: «الحمد للَّه الّذي لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلّا بالعجز عن معرفته» و لنقبض عنان الكلام عن هذا النمط و لنرجع إلى الغرض و هو أنّ أحد الأقسام ما يكلّ الأفهام عن دركه و من جملته الروح، و من جملته بعض صفات اللّه تعالى، و لعلّ الإشارة إلى مثله في قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ للَّه سبعين حجابا من نور لو كشفها لا حرقت سبحات وجهه كلّ من أدركه بصره» [١].
القسم الثاني من الخفيّات الّتي يمتنع الأنبياء و الصدّيقون عن ذكرها ما هو مفهوم في نفسه لا يكلّ الفهم عنه و لكنّ ذكره يضرّ بأكثر المستمعين و لا يضرّ بالأنبياء و الصدّيقين و سرّ القدر الّذي منع أهل العلم به عن إفشائه من هذا القسم و لا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضرّا ببعض الخلق كما يضرّ نور الشمس بأبصار الخفافيش و كما يضرّ رياح الورد بالجعل.
و لو قال قائل: إنّ القيامة لو ذكر ميقاتها و أنّها بعد ألف سنة أو أكثر أو أقلّ لكان مفهوما و لكن لم يذكره لمصلحة العباد و خوفا من الضرر و لعلّ المدّة إليها بعيدة فيطول الأمن، و إذا استبطأت النفوس وقت العقاب قلّ اكتراؤها أو لعلّها كانت قريبة في
[١] أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب الدعاء في الركوع و السجود ج ١ ص ٢٠٣ و قوله: «لا أحصى ثناء عليك» و لعل المعنى أنه ليس في قدرتى شكرك الواجب على لان شكرى لك هو نعمة منك على فكيف بشكرها. و أخرجه مسلم في صحيحة ج ٢ ص ٥١.
[١] راجع كتاب السماء و العالم من بحار الأنوار الباب السادس نقله بألفاظ مختلفة عن الفريقين.