المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٤
فيما يحكيه عليه و لا يكذب في الحكاية فيحكي عنه لا محالة ما يدلّ على قصور كلامه و عجزه و نقصان فضله و هو الغيبة و أمّا الكذب فبهتان و كذلك لا يقدر على أن يحفظ لسانه من التعرّض لعرض من يعرض عن كلامه و يصغى إلى خصمه و يقبل عليه حتّى ينسبه إلى الجهل و الحماقة و قلّة الفهم و البلادة.
و منها تزكية النفس قال اللّه عزّ و جلّ: «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [١]» و قيل لحكيم:
ما الصدق القبيح؟ فقال: ثناء المرء على نفسه، و لا يخلو المناظر عن الثناء على نفسه بالقوّة و الغلبة و التقدّم بالفضل على الأقران، و لا ينفكّ في أثناء المناظرة عن قوله: «لست ممّن يخفى عليه أمثال هذه الأمور و أنا المتفنّن في العلوم و المستقلّ بالاصول و حفظ الأحاديث» و غير ذلك ممّا يتمدّح به تارة على سبيل الصلف[١]و تارة للحاجة إلى ترويج كلامه و معلوم أنّ الصلف و البذخ[٢]مذموم شرعا و عقلا.
و منها التجسّس و تتبّع عورات النّاس و قد قال اللّه عزّ و جلّ: «وَ لا تَجَسَّسُوا وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [٢]» و المناظر لا ينفكّ عن طلب عثرات أقرانه و تتبّع عورات خصومه حتّى أنّه ليخبر بورود مناظر إلي البلد فيطلب من يخبره ببواطن أحواله و يستخرج بالسّؤال مقابحه حتّى يعدّ ذلك ذخيرة لنفسه في إفضاحه و تخجيله إذا مسّت إلى ذلك حاجة حتّى أنّه ليستكشف عن أحوال صباه و عن عيوب بدنه فعساه يعثر على هفوة أو على عيب به من قرع أو غيره، ثمّ إذا أحسّ بأدنى غلبة من جهته عرض به إن كان متماسكا و يستحسن منه ذلك و يعدّه من لطائف التّشبيب[٣]و لا يمتنع عن الإفضاح إن كان متبجحا[٤]بالسّفاهة و الاستهزاء كما حكي عن أقوام من أكابر المناظرين و المعدودين من فحولهم.
[١] الصلف- ككتف-: التكلم بما يكرهه صاحبك و التمدح بما ليس عندك او مجاوزة قدر الظرف و الادعاء فوق ذلك تكبرا و يقال له بالفارسية: لاف زدن.
[٢] البذخ: التكبر و التفاخر.
[٣] كذا و في الاحياء «لطائف التسبب» و شبب قصيدته بفلانة زينها و حسنها و العادة التشبيب في مبتدأ قصائد المدح ثم سمى ابتداء كل أمر تشبيبا و ان لم يكن في ذكر الشباب.
[٤] التبجح- بتقديم المعجمة على المهملة- المباهاة و الافتخار.
[١] النجم: ٣٢.
[٢] الحجرات: ١٢.