المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٠
العشائر و القبائل، و يقال: هذا جزاء من ترك الكتاب و السنّة و أخذ في الكلام [١] و قال أحمد: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، و لا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلّا و في قلبه دغل[١]و بالغ فيه حتّى هجر المحاسبي مع زهده و ورعه بسبب تصنيفه كتابا في الردّ على المبتدعة، فقال: ويحك أ لست تحكي بدعتهم أوّلا ثمّ تردّ عليهم، أ لست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة و التفكّر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي و البحث، و قال أيضا: علماء الكلام زنادقة.
و قال مالك: أ رأيت ان جاءه من هو أجدل منه أ يدع دينه كلّ يوم لدين جديد.
يعني أنّ أقوال المجادلين تتفاوت إلى غير ذلك من التشديدات و قالوا: ما سكت عنه الصحابة مع أنّهم أعرف بالحقائق و أفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم إلّا لعلمهم بما يتولّد منه من الشرّ و لذلك قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «هلك المتنطّعون، هلك المتنطّعون، هلك المتنطّعون»[٢]أي المتعمّقون في البحث و الاستقصاء.
و احتجّوا أيضا بأنّ ذلك لو كان من الدّين لكان ذلك أهمّ ما يأمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يعلّم طريقه و يثنى على أربابه فقد علّمهم الاستنجاء و ندبهم إلى حفظ الفرائض و أثنى عليهم، و نهاهم عن الكلام في القدر و قال: «أمسكوا» [٢] و على هذا استمرّ الصحابة، و الزيادة على الأستاذ طغيان و ظلم و هم الأستاذون و نحن الأتباع و التلامذة».
(١) أقول: و قد أسلفنا أخبارا من أهل البيت عليهم السّلام أيضا في مذمّة الكلام عند ذكر آفات المناظرة من كتاب العلم، قال الصدوق- رحمه اللّه- في اعتقاداته [٣]: و الجدل في أمور الدّين منهيّ عنه قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «من طلب الدّين بالجدل تزندق» و قال الصادق عليه السّلام: «يهلك أصحاب الكلام و ينجو المسلّمون، إنّ المسلّمين هم النجباء».
[١] الدغل- محركة-: ما داخل الإنسان من فساد أو حقد او ما يخالفه.
[٢] أخرجه أبو داود في سننه ج ٢ ص ٥٠٦ و قال الجزري في النهاية: في الحديث «هلك المتنطعون» هم المتعمقون المغالون في الكلام المتكلفون بأقصى حلوقهم مأخوذ من النطع و هو الغار الأعلى من الفم ثم استعمل في كل من تعمق قولا و فعلا.
[١] نقله ابن عبد البر في العلم كما في المختصر ص ١٥٦ و هكذا القولين اللذين يأتيان بعده.
[٢] أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد ج ٧ ص ٢٠٢.
[٣] الباب الحادي عشر.