المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٤
ذكر له تأويلات الظواهر انحلّ عنه قيد العوام و لم يتيسّر تقييده بقيد الخواصّ فيرتفع السدّ الّذي بينه و بين المعاصي، و ينقلب شيطانا مريدا يهلك نفسه و غيره، بل لا ينبغي أن يخاض بالعوام في حقائق العلوم الدقيقة بل يقتصر معهم على تعليم العبادات و تعليم الأمانة في الصناعة الّتي هو بصددها و يملأ قلبه من الرغبة و الرهبة بالجنّة و النّار كما نطق به القرآن و لا يحرّك عليه شبهة فإنّه ربّما تعلّق الشبهة بقلبه و يعسر حلّها فيشقى و يهلك.
و بالجملة فلا ينبغي أن يفتح للعوام باب البحث فإنّه يعطّل عليهم صناعاتهم الّتي بها قوام الخلق و دوام عيش الخواصّ.
الثامنة أن يكون المعلّم عاملا بعلمه
فلا يكذّب قوله بفعله لأنّ العلم يدرك بالبصائر و العمل بالأبصار و أرباب الأبصار أكثر، فإذا خالف العمل بالعلم منع الرشد و كلّ من تناول شيئا و قال للناس: لا تناولوه فإنّه سمّ مهلك سخر الناس به و اتّهموه و زاد حرصهم على ما نهوا عنه، فيقولون: لو لا أنّه أطيب الأشياء و ألذّها لما كان يستأثر به، و مثل المعلّم المرشد من المسترشد مثل النقش من الطين و العود من الظلّ و كيف ينقّش الطين بما لا نقش فيه و كيف استوى الظلّ و العود أعوج و لذلك قيل:
لا تنه عن خلق و تأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
و قال اللّه تعالى: «أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ» [١] و لذلك كان وزر العالم في معاصيه أكبر إذ يزل بزلّته عالم كثير يقتدون به «و من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها» [٢] و لذلك قال عليّ عليه السّلام: «قصم ظهري رجلان عالم متهتّك و جاهل متنسّك، فالجاهل يغرّ الناس بتنسّكه و العالم ينفرهم بتهتّكه» [٣].
[١] البقرة: ٤٤.
[٢] أخرجه ابن ماجه تحت رقم: ٢٠٣.
[٣] غوالي اللئالى كما في كتاب النوادر في جمع الأحاديث للمؤلف ص ١٨.
و روى مضمونه الصدوق- رحمه اللّه- بنحو أبسط في الخصال باب الاثنين.