المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٧٤
و الغفلة عن الصلاة و لا تلهي عن الصلاة إلّا الخواطر الرّدية الشاغلة، فالدّواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر، و لا يدفع الشيء إلّا بدفع سببه فليعلم سببه، و سبب توارد الخواطر إمّا أن يكون أمرا خارجا أو أمرا في ذاته باطنا.
أمّا الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر، فإنّ ذلك قد يختطف الهمّ حتّى يتبعه و يتصرّف فيه، ثمّ ينجرّ منه الفكر إلى غيره و يتسلسل و يكون الأبصار سببا للافتكار، ثمّ يصير بعض تلك الأفكار سببا للبعض و من قويت رتبته و علت همّته لم يلهه ما يجري على حواسّه، و لكن الضعيف لا بدّ و أن يتفرّق به فكره، فعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغضّ بصره أو يصلّي في بيت مظلم، و لا يترك بين يديه ما يشغل حسّه، و يقرب من حائط عند صلاته حتّى لا يتّسع مسافة بصره، و يحترز من الصلاة على الشوارع و في المواضع المنقوشة المصبوغة و على الفرش المصبوغة و لذلك كان المتعبّدون يتعبّدون في بيت صغير مظلم، سعته بقدر السجود ليكون ذلك أجمع للهمّ، و الأقوياء كانوا يحضرون المساجد و يغضّون البصر و لا يجاوزونه موضع السجود و يرون كمال الصلاة في أن لا يعرفوا من على يمينهم و شمالهم».
(١) أقول: قال الشهيد الثاني- رحمه اللّه [١]-: ينبغي أن لا يعدل إلى غمض العينين ما وجد السبيل إلى القيام بوظيفة النظر و هي جعله قائما إلى موضع سجوده و غيره من الأمور المعلومة شرعا، فإن تعذّر القيام بها مع فتحهما فالغمض أولى لأنّ الفائت من وظيفة الصلاة و صفتها بتقسّم الخاطر أعظم منه مع الإخلال بوظيفة النظر انتهى كلامه، و يمكن أن يقال: إنّ الغضّ الّذي هو من خشوع الجوارح المأمور به يغني عن الغمض فلا حاجة إلى ترك السنّة من وظيفة النظر، اللّهمّ إلّا أن يشتغل بالتأمّل في موضع سجوده و ما بين قدميه و نحوهما فحينئذ لا يبعد ما قاله رحمه اللّه.
قال أبو حامد: «و أمّا الأسباب الباطنة فهي أشدّ فإنّ من تشعّبت الهموم به في أودية الدّنيا لم ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب و غضّ البصر لا يغنيه فإنّ ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل فهذا طريقه أن يردّ النفس قهرا
[١] أسرار الصلاة ص ١٧٧.