المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٣
اللّه و من تواضع رفعه اللّه» [١].
و قال حكاية عن اللّه عزّ و جلّ: «العظمة إزاري و الكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته»[١]و لا ينفكّ المناظر عن التكبّر على الأمثال و الأقران و الترفّع إلى فوق قدره حتّى أنّهم ليقاتلون على مجلس من المجالس يتنافسون فيها في الارتفاع و الانخفاض و القرب من و سادة الصدر و البعد منها و التقدّم في الدخول عند مضايق الطرق و ربّما يتعلّل الغبيّ و المكّار الخدّاع منهم بأنّه يبغي صيانة نفسه و غرّ العلم و أنّ المؤمن منهيّ عن إذلال نفسه فيعبّر عن التواضع الّذي اثنى اللّه عزّ و جلّ عليه و سائر أنبيائه عليهم السّلام بالذلّ و عن التكبّر الممقوت عند اللّه عزّ و جلّ بعزّ الدّين تحريفا للاسم و إضلالا للخلق به كما فعل في اسم الحكمة و العلم و غيرهما.
و منها الحقد فلا يكاد المناظر يخلو عنه و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «المؤمن ليس بحقود»[٢] و ورد في ذمّ الحقد ما لا يخفى و لا ترى مناظرا يقدر على أن لا يضمر حقدا على من يحرّك رأسه على كلام خصمه و يتوقّف في كلامه و لا يقابله بحسن الإصغاء بل يضطرّ إذا شاهد ذلك إلى إضمار الحقد و تربيته في النفس، و غاية تماسكه الإخفاء بالنفاق و يترشّح منه إلى الظاهر لا محالة في غالب الأمر و كيف ينفكّ عنه و لا يتصوّر اتّفاق جميع المستمعين على ترجيح كلامه و استحسان جميع أحواله في إيراده و إصداره، ثمّ لو صدر من خصمه أدنى تشبيب فيه[٣]أو قلّة مبالات بكلامه انغرس في صدره حقد لا يقلعه يد الدهر إلى آخر العمر.
و منها الغيبة و قد شبّهها اللّه عزّ و جلّ بأكل الميتة و لا يزال المناظر مثابرا[٤]على أكل الميتة فإنّه لا ينفكّ عن حكاية كلام خصمه و مذمّته و غاية تحفّظه أن يصدق
[١] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٤١٧٥. و فيه «ألقيته في النار» «مكان قصمته».
[٢] ما عثرت بلفظه في أصل. و مضمونه مروى عن أمير المؤمنين عليه السّلام في الكافي باب المؤمن و علاماته و صفاته ج ٢ ص ٢٢٦.
[٣] كذا و في الاحياء «سبب فيه».
[٤] المثابرة: الحرص على الفعل او القول و ملازمتها. (النهاية).
[١] أخرجه البيهقي في شعب الايمان بزيادة كما في مشكاة المصابيح ص ٤٣٤. و روى الكليني نحوه في الكافي ج ٢ ص ١٢١.