المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٣
بعضهم» [١].
و قال عليّ عليه السّلام و أشار إلى صدره: «إنّ هاهنا علوما جمّة، لو وجدت لها حملة» [٢] و صدق عليّ عليه السّلام فقلوب الأبرار قبور الأسرار، فلا ينبغي أن يفشي العالم كلّما يعلمه إلى كلّ أحد، هذا إذا كان يفهمه المتعلّم و لم يكن أهلا للانتفاع به فكيف فيما لا يفهمه و قد قال عيسى عليه السّلام: «لا تعلّقوا الجواهر في أعناق الخنازير، فإنّ الحكمة خير من الجواهر و من كرهها فهو شرّ من الخنزير [٣]» فلذلك قيل: كل لكلّ عبد بمعيار عقله، و زن له بميزان عمله[١]حتّى تسلم منه و ينتفع بك و إلّا وقع الإنكار لتفاوت المعيار، و سئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب، فقال السائل: أ ما سمعت قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار» [٤] فقال: اترك اللّجام و اذهب فإن جاء من يفقه و كتمته فليلجمني، و في قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ» [٥] تنبيه على أنّ حفظ العلم ممّن يفسده و يضرّه أولى و ليس الظلم في إعطاء غير المستحقّ بأقلّ من الظلم في منع المستحقّ كما قيل:
و من منح الجهّال علما أضاعه
و من منع المستوجبين فقد ظلم
السابعة أنّ المتعلّم القاصر ينبغي أن يلقي إليه الجليّ اللّائق به
و لا يذكر له أنّ وراء هذا تدقيقا و هو يدّخره عنه فإنّ ذلك يفتر رغبته في الجليّ و يشوّش قلبه و يوهم إليه البخل به عنه إذ يظنّ كلّ أحد أنّه أهل لكلّ علم دقيق فما من أحد إلّا و هو راض عن اللّه عزّ و جلّ في كمال عقله و أشدّهم حماقة و أضعفهم عقلا هو أفرحهم بكمال عقله و بهذا يعلم أنّ من تقيّد من العوام بقيد الشرع و رسخت في نفسه العقائد المأثورة عن السلف من غير تشبيه و من غير تأويل و حسنت مع ذلك سيرته و لم يحتمل عقله أكثر من ذلك فلا ينبغي أن يشوّش عليه اعتقاده، بل ينبغي أن يخلّى و حرفته فإنّه لو
[١] في الاحياء «بميزان فهمه».
[١] أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح ص ٩.
[٢] مر بلفظ آخر في حديث كميل بن زياد.
[٣] أخرجه ابن عبد البر في العلم بنحو أبسط كما في المختصر ص ٥٦.
[٤] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٢٦٤.
[٥] النساء: ٥.