المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٦
فاليقين هو الأساس و الأصل و له مجاري و أبواب أكثر ممّا عدّدناه و سيأتي ذلك في ربع المنجيات و هذا القدر كاف في تفهيم معنى اللّفظ الآن.
و منها أن يكون حزينا منكسرا مطرقا صامتا
يظهر أثر الخشية على هيئته و كسوته و سيرته و حركته و سكونه و نطقه و سكوته، لا ينظر إليه ناظر إلّا و كان نظره مذكّرا للَّه تعالى و كان صورته دليلا على علمه «فالجواد عينه فراره» [١]، فعلماء الآخرة يعرفون بسيما هم في السكينة و الذلّة و التواضع و قد قيل: ما ألبس اللّه عبدا لبسة أحسن من خشوع في سكينة، فهي لبسة الأنبياء صلوات اللّه عليهم و سيماء الصدّيقين و العلماء، فأمّا التهافت في الكلام و التشدّق و الاستغراق في الضحك و الحدّة في الحركة و النطق فكلّ ذلك من آثار البطر و الأمن و الغفلة عن عظيم عقاب اللّه سبحانه و شديد سخطه و كلّ ذلك دأب أبناء الدنيا الغافلين عن اللّه عزّ و جلّ دون العلماء به و هذا لأنّ العلماء ثلاثة كما قاله سهل التستري: عالم بأمر اللّه لا بأيّام اللّه و هم المفتون بالحلال و الحرام و هذا العلم لا يورث خشية، و عالم باللّه لا بأمر اللّه و لا بأيّام اللّه و هم عموم المؤمنين، و عالم باللّه و بأمر اللّه و بأيّام اللّه و هم الصدّيقون. و الخشية و الخشوع إنّما يغلب عليهم و أراد بأيّام اللّه أنواع عقوباته الغامضة و نقمه الباطنة الّتي أفاضها على القرون السالفة و اللّاحقة، فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه و ظهر خشوعه».
(١) أقول روى في الكافي بإسناده عن أبي بصير [١] «قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: يا طالب العلم إنّ العلم ذو فضائل كثيرة فرأسه التواضع، و عينه البراءة من الحسد، و إذنه الفهم، و لسانه الصدق، و حفظه الفحص، و قلبه حسن النيّة، و عقله معرفة الأشياء و الأمور، و يده الرحمة، و رجله زيارة العلماء و همّته السلامة، و حكمته الورع، و مستقرّه النجاة، و قائده العافية، و مركبه الوفاء،
[١] قال الجوهري: الفرير ولد البقرة الوحشية، و كذلك الفرار- بضم الفاء. و يقال: «ان الجواد عينه فراره» و قد يفتح، أي يغنيك شخصه و منظره عن أن تختبره و أن تفر أسنانه، و قال أيضا: فررت الفرس أفره- بالضم- فرا إذا نظرت إلى أسنانه.
[١] المجلد الأول ص ٤٨ تحت رقم ٢.