المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٧
منكرات في عصر الصحابة إذ من غرر المعروف في زماننا تزيين المساجد و تنجيدها و إنفاق الأموال العظيمة في دقائق عماراتها و بسط الفرش الرفيعة فيها و قد كان يعدّ فرش البواري في المسجد بدعة، و قيل: إنّه من محدثات الحجّاج، فقد كان الأوّلون قلّما يجعلون بينهم و بين التراب حاجزا و كذا الاشتغال بدقائق الجدل، و المناظرة من أجلّ علوم هذا الزمان، و يزعمون أنّه من أعظم القربات و قد كان ذلك من المنكرات، و من ذلك التلحين في الأذان و القرآن، و من ذلك التقشّف في النظافة و الوسوسة في الطهارة، و تقدير الأسباب البعيدة في نجاسة الثياب مع التساهل في حلّ أكل الأطعمة و تحريمها إلى نظائر ذلك، و لقد صدق ابن مسعود- رضي اللّه عنه- حيث قال:
أنتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم و سيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعا للهوى.
و قيل: تركوا العلم و أقبلوا على الغرائب ما أقلّ الفقه فيهم. و اللّه المستعان.
و قيل: لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم و لم يكن العلماء يقولون: حلال و لا حرام، بل يقولون: مكروه و مستحبّ، معناه أنّهم ينظرون في دقائق الكراهية و الاستحباب، فأمّا الحرام فكان تجنّبه ظاهرا. و قيل:
لا تسألوهم اليوم عمّا أحدثوا فإنّهم قد أعدّوا له جوابا و لكن سلوهم عن السنّة فإنّهم لا يعرفونها، و في الحديث المشهور «من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو ردّ»[١]و في حديث آخر «من غشّ امّتي فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، قيل: يا رسول اللّه و ما غشّ أمّتك؟ قال: أن يبتدع بدعة يحمل الناس عليها» [١]. و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ للَّه ملكا ينادي كلّ يوم: من خالف سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم تنله شفاعته» [٢].
و مثال الجاني على الدين بإبداع ما يخالف السنّة بالنسبة إلى من يذنب ذنبا مثال من عصى الملك في قلب دولته بالنسبة إلى من خالف أمره في خدمة معيّنة و ذلك قد يغفر
[١] متفق عليه من حديث عائشة بلفظ «في أمرنا» راجع الجامع الصغير باب الميم، و مسند أحمد ج ٦ ص ٢٧٠.
[١] قال العراقي: رواه الدارقطني في الافراد من حديث أنس بسند ضعيف.
[٢] ما عثرت على أصل له.