المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٢
متحسّرا على ما يشاهده من ربح العالمين[١]و فوز المقرّبين و ذلك هو الخسران المبين.
قيل لحذيفة بن اليمان- رضي اللّه عنه-: ترك تتكلّم بكلام لا نسمع من غيرك من الصحابة فمن أين أخذته؟ قال: خصّني به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان الناس يسألونه عن الخير و كنت أسأله عن الشرّ مخافة أن أقع فيه، و علمت أنّ الخير لا يسبقني و قال مرّة:
فعلمت أنّ من لا يعرف الشرّ لا يعرف الخير [١]، و في لفظ آخر: كان الناس يقولون:
يا رسول اللّه ما لمن عمل كذا و كذا فيسألونه من فضائل الأعمال، و كنت أقول: يا رسول اللّه ما يفسد كذا و كذا، فلمّا رآني أسأل عن آفات الأعمال خصّني بهذا العلم.
و كان حذيفة- رضي اللّه عنه- أيضا قد خصّ بعلم المنافقين و افرد بمعرفة علم النفاق و أسبابه و دقائق الفتن و كان عمر و عثمان و غيرهما من الصحابة يسألونه عن الفتن العامّة و الخاصّة، و كان يسأل عن المنافقين فيخبر بأعداد من بقي منهم و لا يخبر بأسمائهم و كان عمر يسأله عن نفسه هل يعلم به شيئا من النفاق و كان إذا دعي إلى جنازة نظر فإن حضر حذيفة صلّى عليها و إلّا ترك و كان يسمّى صاحب السرّ» [٢].
(١) أقول: و ليتأمّل العاقل المصنف في نقل مثل هذه الأخبار عن المتّسمين بأهل السنّة و ليعتبر، إنّ في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
قال: «فالعناية بمقامات القلب و أحواله هو دأب علماء الآخرة لأنّ القلب هو الساعي إلى قرب الربّ عزّ و جلّ و قد صار هذا الفنّ غريبا مندرسا و إذا تعرّض العالم لشيء منه استغرب و استبعد و قيل: هذا تزويق المذكّرين فأين التحقيق و يرون التحقيق في دقائق المجادلات و لقد صدق القائل حيث يقول:
الطرق شتّى و طرق الحقّ مفردة
و السالكون طريق الحقّ أفراد
لا يعرفون و لا يدرون مقصدهم
فهم على مهل يمشون قصّاد
و الخلق في غفلة عمّا يراد بهم
فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد
و على الجملة لا يميل أكثر الخلق إلّا إلى الأسهل و الأوفق لطباعهم، فإنّ
[١] في الاحياء «من ربح العاملين».
[١] أورده البخاري في الصحيح ج ٩ ص ٦٥ بلفظ آخر.
[٢] راجع مسند أحمد ج ٥ ص ٣٨٦ و ٣٨٨ و ٣٩٠، و صحيح مسلم ج ٨ ص ١٧٣.