المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦٣
«إنّ من أحبّ عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه على نفسه، فاستشعر الحزن، و تجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في قلبه- إلى أن قال:- قد خلع سرابيل الشهوات، و تخلّى من الهموم إلّا همّا واحدا انفرد به فخرج من صفة العمى، و مشاركة أهل الهوى، و صار من مفاتيح أبواب الهدى، و مغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه، و سلك سبيله، و عرف مناره، و قطع غماره، و استمسك من العرى بأوثقها، و من الحبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس» [١].
و في كلام آخر له عليه السّلام: «قد أحيا قلبه، و أمات نفسه، حتّى دقّ جليله، و لطف غليظه، و برق له لا مع كثير البرق، فأبان له الطريق، و سلك به، السبيل و تدافعته الأبواب إلى باب السلامة، و دار الإقامة، و ثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن و الراحة، بما استعمل قلبه و أرضى ربّه»[٢].
و قال عليه السّلام: «اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويّ البعيدة»[٣].
و قال عليه السّلام: «تعلّمت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ألف باب من العلم ففتح لي بكلّ باب
[١] النهج البلاغة خطبة: ٨٤. و قوله: «و قطع غماره» بالكسر جمع غمر- بالفتح- و هو معظم الماء و البحر، و لعل المراد بقطع الغمار خروجه عن فتن الدنيا و مضلاتها بسفن النجاة و الهدايات خاصة، و لعل المراد بأوثق العرى الايمان و بأمتن الحبال اتباع أوامر المولى سبحانه و متابعة سبيل الهدى.
[٢] النهج خطبة: ٢١٨. و قوله: «تدافعته الابواب» يمكن أن يكون الابواب عبارة عن أسباب القرب من الطاعات و ترك اللذات فان كل واحد منها باب من أبواب الجنة فينتقل منها حتى ينتهى إلى باب الجنة التي هي قرار الأمن و الراحة. و يمكن ان يكون الابواب عبارة عن اللذات و المطالب النفسانية التي يريد الإنسان أن يدخلها بمقتضى طبعه فيكون تدافعها كناية عن منعها إياه للدخول اى منع التأييد الإلهي إياه عن دخول كل ما تريده النفس من تلك الابواب حتى ينتهى إلى باب السلامة فيدخله و هو الدخول في دار الإقامة اى جنته الخلد.
[٣] النهج خطبة: ٥. و اندمج الشيء إذا دخل في شيء و استحكم فيه. و باح سرا أظهره. و الرشاء- بالكسر و المد-: الحبل جمعه أرشية. و الطوى: البئر المطوية.