المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٣
اللّه، و الزهد فيما بيد خلق اللّه إلى غير ذلك من الخيرات، و أن يكون معصوما من الزيغ و الزلل و الخطأ في القول و العمل، منزّها عن أن يحكم بالهوى، أو يميل إلى الدنيا لما ذكرناه في النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعينه، و بالجملة كلّ ما اشترط في النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الصفات فهو شرط في الإمام ما خلا النبوّة، و قال الصادق عليه السّلام: «كلّ ما كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلنا مثله إلّا النبوّة و الأزواج» [١] و لا يوصل إلى معرفة هذه الخصال المحمودة، و الخلال المعدودة إلّا بوحي من اللّه سبحانه إلى رسوله لامتناع الاطّلاع على البواطن، و لذلك أوحى اللّه تعالى إلى نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عليّ عليه السّلام بآية «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ» [٢] و آية «بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ» [٣] و غيرهما فإذا ظهر الوحي وجب على الرسول أن ينصّ على من يخلفه بعد وفاته، إمّا قولا كقول نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه» [٤] و قوله: «معاشر أصحابي إنّ عليّ بن أبي طالب وصيّي و خليفتي عليكم في حياتي و بعد مماتي، و هو الصدّيق الأكبر، و الفاروق الأعظم، الّذي يفرّق بين الحقّ و الباطل، و هو باب اللّه الّذي يؤتى منه، و هو السبيل إليه و الدليل عليه، من عرفه فقد عرفني، و من أنكره فقد أنكرني، و من تبعه فقد تبعني» [٥] و إمّا فعلا كفعل نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعليّ عليه السّلام حيث ولّاه سراياه و جيوشه، و سيّرهم تحت رايته و لم يولّ عليه أحدا قطّ، و لم يكن كمن سار تحت راية عمرو بن العاص و أسامة بن زيد و غيرهما، و قد علم أصحابه أنّه كان أميرا في جيوشه غير مؤمّر عليه و كيف لا يوصي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: بمثل هذا الأمر العظيم؟ و قد أمر عامّة الناس بالوصيّة فيما هو أهون من ذلك، و حثّوا عليها و اكّد لهم أمرها في الشرائع.
و اما اختلاف أصحاب نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أمر الخلافة من بعده فلا دلالة فيه على عدم وقوع النصّ منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بل إنّما كان ذلك لغلبة حبّ الرئاسة و الحسد على بعضهم، فاحتالوا لذلك حيلا و خدائع فلبّسوا الأمر على أكثر الناس من بعد وقوع
[١] ما عثرت على أصل له.
[٢] المائدة: ٥٥.
[٣] المائدة: ٦٧.
[٤] راجع معانى الاخبار للصدوق- رحمه اللّه- ص ٦٥ إلى ٧٤.
[٥] راجع بحار الأنوار ج ٩ (طبع الكمباني) باب النص على أمير المؤمنين عليه السّلام.