المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٩
فكان تعلّم تلك الأحكام و الحكم بها سببا لضلال كثير من الخلق و موهنا لاعتقاداتهم في المعجزات إذ الإخبار عن الكائنات منها و كذلك في عظمة بارئهم و يسلكهم في عموم صدق قوله تعالى: «قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» [١]، «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [٢]» و قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [٣]» فالمنجم إذا حكم لنفسه بأنّه يصيب كذا في وقت كذا فقد ادّعى أنّ نفسه تعلم ما تكسب غدا و بأي أرض تموت و ذلك عين التكذيب للقرآن».
و هذا هو الوجه أيضا لتحريم الكهانة و السحر و العزائم و نحوها و إليه أشار أمير المؤمنين عليه السّلام في كلامه السابق.
قال أبو حامد: «السبب الثالث الخوض في علم لا يستفيد الخائض فيه به فإنّه مذموم في حقّه كتعلّم دقيق العلوم قبل جليلها، و خفيّها قبل جليّها، و كالبحث عن الأسرار الإلهيّة إذ لا يطّلع الفلاسفة و المتكلّمون عليها و لم يستقلّوا بها، و لا يستقلّ بها و بالوقوف على طرق بعضها إلّا الأنبياء- صلوات اللّه عليهم- و الأولياء فيجب كفّ النّاس عن البحث عنها و ردّهم إلى ما نطق به الشرع ففي ذلك مقنع للموفّق و كم من شخص خاض في العلوم و استضرّ بها و لو لم يخض في ذلك لكان حاله أحسن في الدّين ممّا صار إليه، و لا ينكر كون بعض العلم ضارّا لبعض الناس كما يضرّ لحم الطير و أنواع الحلاوات اللّطيفة بالطفل الرضيع، بل ربّ شخص ينفعه الجهل ببعض الأمور فلقد حكي أنّ بعض الناس شكا إلى طبيب عقم زوجته و أنّها لا تلد فجسّ الطبيب بنبضها و قال:
لا حاجة لك إلى دواء الولادة فإنّك ستموتين إلى أربعين يوما و قد دلّ النبض عليه فاستشعرت المرأة خوفا عظيما و تنغّص عليها عيشها و أخرجت أموالها و فرّقتها و أوصت و بقيت لا تأكل و لا تشرب حتّى انقضت المدّة فلم تمت، فجاء زوجها إلى الطبيب فقال
[١] النمل: ٦٥.
[٢] الانعام: ٥٩.
[٣] لقمان: ٣٤.