المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧١
و بعضها بحث عن صفات الأجسام و خواصّها و كيفيّة استحالتها و نغيّرها و هو شبيه بنظر الأطبّاء إلّا أنّ الطبيب ينظر في بدن الإنسان على الخصوص من حيث يمرض و يصحّ و هم ينظرون في جميع الأجسام من حيث تتغيّر و تتحرّك و لكن للطبيب فضل عليه و هو أنّه محتاج إليه و أمّا علومهم في الطبيعيّات فلا حاجة إليها.
[إشكال المؤلف على أبي حامد]
(١) أقول: أجزاء علم الفلسفة غير منحصرة فيما ذكره أبو حامد- رحمه اللّه- و لا الأمر فيه كما قاله، بل هو علم شريف جامع لجميع العلوم العقليّة الحقيقيّة الّتي لا تتغيّر بتغيّر الأزمان و لا تتبدّل بتبدّل الأديان و تسمّى في عرفهم بالحكمة و يفسّر بأنّه العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه بقدر الطاقة البشريّة و هو شامل لكثير من المسائل الّتي عدّها أبو حامد من علم المكاشفة و لأكثر ما ذكره في علم المعاملة حتّى علم الشرائع على وجه كلّي و يندرج تحته أيضا علما الهيئة و التشريح اللّذين قيل: من لم يعرفهما فهو عنين في معرفة اللّه عزّ و جلّ و علم الطبّ و النجوم و الخطابة و الشعر و غيرها من العلوم الدنيويّة و الأخرويّة، و أكثره مأخوذ من الوحي النازل على الأنبياء عليهم السّلام و بعضه مستفاد من الإلهامات الواردة على القلوب المنورّة و النفوس المرتاضة لأولي الخلوات و المجاهدات إلّا أنّ الفلاسفة لم يبلغوا في شيء من علومهم مبلغ الأنبياء بل كانوا قاصرين في أكثرها خصوصا فيما يتعلّق منها بالمكاشفة فإنّه بقي لهم من العلم باللّه و اليوم الآخر أمور كثيرة، أتمّها لهم الرّسل- صلوات اللّه عليهم- و ذلك لأنّ نظر الأنبياء عليهم السّلام أوسع و أحدّ و معرفتهم بالغة إلى جزئيّات الأمور و تعيين الأعمال المقرّبة إلى اللّه تعالى كما هي بالغة إلى كلّيّاتها و لهم قدرة النزول في المعارف باللّه إلى العاميّ الضعيف الرأي بما يصلح بعقله[١]من ذلك و إلى الكبير العقل الصحيح النظر بما يصلح بعقله، و هم أعلم خلق اللّه فيما غاب عنهم و همّتهم في معرفة حقائق أمور النشأة الآخرة أكثر منها في معرفة أمور هذه النشأة بل لا يخوضون من الفانية إلّا فيما هو وسيلة إلى الباقية و لهذا لمّا سئل نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن التشكّلات البدريّة و الهلاليّة للقمر أمر بالإعراض عن الجواب إلى أمر آخر تنبيها على أنّ هذا السؤال ليس بمهمّ
[١] في بعض النسخ [تعقله] و في بعضها [لعقله] هاهنا و ما يأتي.