المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٠
و الأخبار مشتملة عليه و ما خرج عنهما فهو إمّا مجادلة مذمومة و هي من البدع كما سيأتي بيانه و إمّا مشاغبة [١]بالتعلّق بمناقضات الفرق و تطويل بنقل المقالات الّتي أكثرها ترّهات و هذيانات تزدريها الطباع و تمجّها الأسماع[٢]و بعضها خوض فيما لا يتعلّق بالدّين و لم يكن شيء من ذلك مألوفا في العصر الأوّل و كان الخوض فيه بالكلّيّة من البدع و لكن تغيّر الآن حكمه إذ حدثت البدع الصارفة عن مقتضى [حكم] القرآن و السنّة و انبعث جماعة لفّقوا لها شبها، و رتّبوا فيها كلاما مؤلّفا فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذونا فيه بل صار من فروض الكفاية و هو القدر الّذي يقابل به المبتدع إذا قصد الدّعوة إلى البدعة و ذلك إلى حدّ محدود معروف، سنذكره في الباب الّذي يلي هذا.
و أمّا الفلسفة فليست علما برأسها بل هي أربعة أجزاء الأوّل الهندسة و الحساب و هما مباحان كما سبق و لا نمنع منهما إلّا من يخاف عليه أن يتجاوزهما إلى علوم مذمومة، فإنّ أكثر الممارسين لها قد خرجوا منها إلى البدع فيصان الضعيف عنها لا لعينه كما يصان الصبيّ عن شاطئ النهر خوفا من الوقوع في النهر و كما يصان حديث العهد بالإسلام عن مخالطة الكفّار خوفا عليه مع أنّ القويّ يندب إلى مخالطتهم، الثاني المنطق و هو بحث عن وجه الدّليل و شروطه و وجه الحدّ و شروطه و هما داخلان في علم الكلام، الثالث الإلهيّات و هو بحث عن ذات اللّه سبحانه و صفاته و هو أيضا داخل في الكلام، و الفلاسفة لم ينفردوا فيها بنمط آخر من العلم بل انفردوا بمذاهب بعضها كفر و بعضها بدعة، و كما أنّ الاعتزال ليس علما برأسه بل أصحابه طائفة من المتكلّمين و أهل البحث و النظر انفردوا بمذاهب باطلة فكذلك الفلاسفة، الرابع الطبيعيّات و بعضها مخالف للشرع و الدين الحقّ فهو جهل و ليس بعلم حتّى نورد في أقسام العلوم،
[١] شاغبه: شاره و أكثر الشغب معه و الشغب: اللغط المؤدى إلى الشر، و تشاغب الرجل، يعاصى يقال: طلبت منه كذا فتشاغب.
[٢] الازراء: التهاون بالشيء. و يقال في المثل: «هذا كلام تمجه الاسماع» اى تقذفه و تستكرهه.