المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٨
الحرام. قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا يكون الرجل من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به مخافة ممّا به بأس [١]» و ذلك مثل التورّع عن التحدّث بأحوال الناس خيفة من الانجرار إلى الغيبة و التورّع عن أكل الشهوات خيفة من هيجان النشاط و البطر المؤدّي إلى مقارفة المحظورات الرابعة ورع الصدّيقين و هو الإعراض عمّا سوى اللّه سبحانه خوفا من صرف ساعة من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قربة عند اللّه تعالى و إن كان يعلم و يتحقّق أنّه لا يفضي إلى حرام، فهذه الدرجات كلّها خارجة عن نظر الفقيه إلّا الدرجة الأولى و هو ورع الشهود و القضاة و ما يقدح في العدالة، و القيام بذلك لا ينفي الإثم في الآخرة [٢].
قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لوابصة: «استفت قلبك و إن أفتوك و أفتوك و أفتوك [٣]» و الفقيه لا يتكلّم في حزازات القلوب و كيفيّة العمل بها بل فيما يقدح في العدالة فقطّ، فإذا جميع نظر الفقيه مرتبط بالدّنيا الّتي بها صلاح طريق الآخرة فإن تكلّم في شيء من صفات القلب و أحكام الآخرة فذلك يدخل في كلامه على سبيل التطفّل كما يدخل في كلامه شيء من الطبّ و الحساب و النجوم و علم الكلام، و كما تدخل الحكمة في النحو و الشعر».
(فصل) [توضيح مرام الغزالي]
«فإن قيل: فقد سوّيت بين الفقه و الطبّ إذ الطبّ أيضا يتعلّق بالدّنيا و هو صحّة الجسد و ذلك يتعلّق به أيضا [إ] صلاح الدّين، و هذه التسوية تخالف إجماع المسلمين.
القلوب هي الأمور التي تحز فيها اى تؤثر كما يؤثر الحز في الشيء و هو ما يخطر فيها من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها و هي بتشديد الزاي جمع حاز، يقال: إذا أصاب مرفق البعير طرف كركرته فقطعه و أدماه قيل به حاز، و رواه شمر «الإثم حواز القلوب»- بتشديد الواو- أي يحوزها و يتملكها و يغلب عليها و يروى «الإثم حزاز القلوب» بزاءين الأولى مشددة و هي فعال من الحز. انتهى.
[١] أخرجه الترمذي و ابن ماجه كما في المغني.
[٢] كذا في جميع النسخ.
[٣] أخرجه أحمد في المسند ج ٤ ص ٢٢٨ من حديث وابصة بن معبد الاسدى.