المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٦
على الإسلام إجماعا، و لكن هذه الخواطر الموجبة للاعتقادات بعضها يخطر بالطبع و بعضها بالسماع من أهل البلد فإن كان في بلد شاع فيه الكلام و تناطق الناس بالبدع فينبغي أن يصان في أوّل بلوغه عنها بتلقين الحقّ خشية سبق الباطل قلبه فإنّه لو القي عليه الباطل لوجب إزالته من قلبه، و ربّما عسر ذلك كما أنّه لو كان هذا المسلم تاجرا و قد شاع في البلد الّذي هو فيه معاملة الرّبا وجب عليه تعلّم الحذر من الربا، فهذا هو العلم الّذي هو فرض عين و معناه العلم بكيفيّة العمل الواجب، فمن علم علم العمل الواجب و وقت وجوبه، فقد علم علم الّذي هو فرض عين.
المحجة البيضاء جلد١ ٤٦ (بيان العلم الذي هو فرض عين) ..... ص : ٤٣
و ما ذكره الصوفيّة من فهم خاطر العدوّ [و] من لمّة الملك حقّ أيضا و لكن في حقّ من يتصدّى له، فإذا كان الغالب أنّ الإنسان لا ينفكّ عن دواعي الشرّ و الرياء و الحسد فيلزمه أن يتعلّم من علم ربع المهلكات ما يرى نفسه محتاجا إليه و كيف لا يجب و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، و هو متّبع، و إعجاب المرء بنفسه- الحديث- [١]» و لا ينفكّ عنها بشر و بقيّة ما سنذكره من مذمومات أحوال القلب كالكبر و الحسد و أخواتها تتبع هذه الثلاث المهلكات و إزالتها فرض عين و لا يمكن إلّا بمعرفة حدودها و معرفة أسبابها و معرفة علاجها، فإنّ من لا يعرف الشرّ يقع فيه، و العلاج هو مقابلة السبب بضدّه فكيف يمكن دون معرفة السبب و المسبّب فأكثر ما ذكرناه في ربع المهلكات من فروض الأعيان، و قد تركه الناس كافّة اشتغالا بما لا يعنى، و ممّا ينبغي أن يبادر في إلقائه إليه إذا لم يكن قد انتقل إلى ملّة أخرى[١]الإيمان بالجنّة و النّار و الحشر و النشر حتّى يؤمن به و يصدّق و هو من تتمّة كلمتي الشهادة فإنّه بعد التصديق بكونه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رسولا ينبغي أن يفهم معنى الرسالة الّتي هو مبلّغها و هو أنّ من أطاع اللّه عزّ و جلّ و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فله الجنّة و من عصاهما فله النار، فإذا تنبّهت لهذا التدريج علمت أنّ المذهب الحقّ هو هذا و تحقّقت أنّ كلّ عبد هو في مجاري أحواله في يومه
[١] في الاحياء «قد انتقل عن ملة إلى ملة أخرى».
[١] رواه الصدوق- رحمه اللّه- في الخصال ج ١ ص ٤٢ من حديث أنس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله.