المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٨٧
نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «لا إله إلّا اللّه حصني» [١] و المتحصّن به من لا معبود له سوى اللّه فأمّا من اتّخذ إلهه هواه فهو في ميدان الشيطان لا في حصن اللّه، و اعلم أنّ من مكايده أن يشغلك في الصلاة بفكر الآخرة و تدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ، فاعلم أنّ كلّ ما يشغلك عن معاني قراءتك فهو وسواس فإنّ حركة اللّسان غير مقصودة بل المقصود معانيها، و أمّا القراءة فالنّاس فيها ثلاثة رجل يتحرّك لسانه و قلبه غافل، و رجل يتحرّك لسانه و قلبه يتبع اللّسان فيسمع و يفهم منه كأنّه يسمعه من غيره و هو درجة أصحاب اليمين، و رجل يسبق قلبه إلى المعاني أوّلا ثمّ يخدم اللّسان قلبه فيترجمه، ففرق بين أن يكون اللّسان ترجمان القلب أو يكون معلّم القلب، و المقرّبون لسانهم ترجمان يتبع القلب و لا يتبعه القلب».
(تفصيل ترجمان المعاني)
«إنّك إذا قلت: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فانو به التبرّك لابتداء القراءة لكلام اللّه، و افهم أنّ معناه أنّ الأمور كلّها باللّه و أنّ المراد بالاسم هاهنا هو المسمّى و إذا كانت الأمور باللّه فلا جرم كان «الْحَمْدُ لِلَّهِ» و معناه أنّ الشكر للَّه إذ النعم من اللّه و من يرى من غير اللّه نعمة أو يقصد غير اللّه بشكر لا من حيث إنّه مسخّر من اللّه ففي تسميته و تحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير اللّه، فإذا قلت: «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فأحضر في قلبك أنواع لطفه ليتّضح لك رحمته فينبعث به رجاؤك، ثمّ استثر من قلبك له التعظيم و الخوف بقولك: «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» أمّا العظمة فلأنّه لا ملك إلّا له و أمّا الخوف فلهول يوم الجزاء و الحساب الّذي هو مالكه، ثمّ جدّد الإخلاص بقولك: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» و جدّد العجز و الاحتياج و التبرّي عن الحول و القوّة بقولك: «إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» و تحقّق أنّه ما تيسّرت طاعتك إلّا بإعانته و أنّ له المنّة إذ وفّقك لطاعته، و استخدمك لعبادته، و جعلك أهلا لمناجاته و لو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللّعين، ثمّ إذا فرغت عن التعوّذ و من قولك: «بسم اللّه» و عن التحميد و عن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقا فعيّن سؤالك و لا تطلب إلّا أهمّ حاجاتك و قل: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ»
[١] في الحديث المعروف بحديث سلسلة الذهب راجع عيون اخبار الرضا ص ٢٧٥.