المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١١
ذلك بالغسل و التسريح بالمشط و في الخبر المشهور أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان لا يفارقه المشط و المدري في سفر و لا حضر[١]و هي سنّة العرب.
و في خبر غريب أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يسرّح لحيته في اليوم مرّتين [١] فكان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كثّ اللّحية، [٢] و كان عليّ عليه السّلام عريض اللّحية، و قد ملأت ما بين منكبيه [٣].
و في حديث أغرب منه قالت عائشة: اجتمع قوم بباب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فرأيته يطلع في الحبّ يسوّي من رأسه و لحيته، فقلت له: أو تفعل ذلك يا رسول اللّه؟ فقال:
«نعم، إنّ اللّه يحبّ من عبده أن يتجمّل لإخوانه إذا خرج إليهم»[٢]و الجاهل ربّما يظنّ أنّ ذلك من حبّ التزيّن للنّاس قياسا على أخلاق غيره، و تشبيها للملائكة بالحدّادين و هيهات فقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مأمورا بالدّعوة و كان من وظائفه أن يسعى في تعظيم أمر نفسه في قلوبهم كيلا يزدريه نفوسهم و تحسين صورته في أعينهم كيلا يستصغره أعينهم فينفّرهم ذلك و يتعلّق المنافقون بذلك في تنفيرهم و هذا القصد واجب على كلّ عالم تصدّى لدعوة الخلق إلى اللّه تعالى، و هو أن يراعي من ظاهره ما لا يوجب نفرة الناس عنه و الاعتماد في مثل هذه الأمور على النيّة فإنّها أعمال مباحة في أنفسها تكتسب الأوصاف من القصود، فالتزيين على هذا القصد محبوب، و ترك الشعث في اللّحية إظهارا للزّهد و قلّة المبالاة بالنفس محذور فتركه شغلا بما هو أهمّ منه محبوب، فهذه أحوال باطنة بين العبد و بين اللّه تعالى، و الناقد بصير و التلبيس غير رائج عليه بحال، و كم من جاهل يتعاطى هذه الأمور التفاتا إلى الخلق و هو يلبّس على نفسه و على غيره و يزعم أنّ قصده الخير فترى جماعة من العلماء يلبسون الثياب الفاخرة و يزعمون أنّ قصدهم إرغام المبتدعة و المخالفين و التقرّب إلى اللّه تعالى به و هذا أمر ينكشف يوم تبلى السرائر
[١] راجع مستدرك الوسائل ج ٢ ص ٤٢. و مكارم الأخلاق ص ٣٤ و المدري نوع من المشط.
[٢] مكارم الأخلاق ص ٦٣. و قال العراقي: أخرجه ابن عدى و قال: حديث منكر.
[١] مكارم الأخلاق ص ٣٤. و قال العراقي: رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف.
[٢] في خبر هند بن أبي هالة راجع معانى الاخبار ص ٨٠.
[٣] راجع المجلد التاسع من البحار ص ٧ و ٨ من طبع الكمباني.