المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٣
من واحد منهم سؤال في دقائق النجاسات، فهكذا كان تساهلهم فيها.
و قد انتهت النوبة الآن إلى طائفة يسمّون الرعونة نظافة، و يقولون: هي مبنى الدين فأكثر أوقاتهم في تزيينهم الظواهر كفعل الماشطة بعروسها، و الباطن خراب مشحون بخبائث الكبر و العجب و الجهل و الرياء و النفاق، و لا يستنكرون ذلك و لا يتعجّبون منه، و لو اقتصر مقتصر على الاستنجاء بالحجر أو مشى على الأرض حافيا أو صلّى على الأرض أو على بواري المساجد من غير سجّادة مفروشة أو مشى على الفرش من غير غلاف للقدم من ادم أو توضّأ من آنية عجوز، أو رجل غير متقشّف أقاموا فيه القيامة و شدّدوا عليه النكير و لقّبوه بالقذر و أخرجوه من زمرتهم، و استنكفوا من مؤاكلته و مخالطته، فسمّوا البذاذة الّتي هي من الإيمان قذارة، و الرعونة نظافة، فانظر كيف صار المنكر معروفا و المعروف منكرا، و كيف اندرس من الدين رسمه كما اندرس تحقيقه و علمه.
(فصل) [رد إشكال]
فإن قلت: فتقول: إنّ هذه العادات الّتي أحدثها الصوفيّة في هيئاتهم و نظافتهم من المحذورات و المنكرات، فأقول: حاش للَّه أن أطلق القول فيه من غير تفصيل، و لكنّي أقول: هذا التكلف و التنظيف بإعداد الأواني و الآلات و استعمال غلاف القدم و الإزار المتقنّع به لدفع الغبار و غير ذلك من هذه الأسباب إن وقع النظر إلى ذاتها على سبيل التجرّد، فهي من المباحات و قد يقترن بها أحوال و نيّات، تلحقها تارة بالمعروف و تارة بالمنكرات، و أمّا كونه مباحا في نفسه فلا يخفى إذ صاحبه متصرّف به في ماله و بدنه و ثيابه فليفعل به ما يريد إذا لم يكن فيه إضاعة و إسراف، و أمّا مصيره منكرا فبأن يجعل ذلك أصل الدين و تفسير قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «بني الدين على النظافة» حتّى ينكر به على من يتساهل فيه تساهل الأوّلين أو أن يكون القصد به تزيين الظاهر للخلق، و تحسين موقع نظرهم، فإنّ ذلك هو الرياء المحظور، فيصير منكرا بهذين الاعتبارين، و أمّا كونه معروفا فبأن يكون القصد منه الخير دون التزيّن، و أن لا ينكر على من ترك