المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧٧
الحجاب بينه و بين اللّه جلّ جلاله. «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» [١] «أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها» [٢] ليس العلم بكثرة التعلّم إنّما هو نور يقذفه اللّه في قلب من يريد اللّه أن يهديه، و هذا النور قابل للقوّة و الضعف و الاشتداد و النقص كسائر الأنوار «وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً» [٣] «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» [٤].
«الإيمان درجات و طبقات و منازل فمنه التامّ المنتهي تمامه و منه الناقص البيّن نقصانه و منه الراجح الزائد رجحانه» كذا قال مولانا الصادق عليه السّلام [٥]. و كلّما ارتفع حجاب ازداد نور فيقوي الإيمان و يتكامل إلى أن ينبسط نوره فينشرح صدره و يطّلع على حقائق الأشياء و يتجلّى له الغيوب و يعرف كلّ شيء في موضعه فيظهر له صدق الأنبياء عليهم السّلام في جميع ما أخبروا عنه إجمالا و تفصيلا على حسب نوره و بمقدار انشراح صدره، و ينبعث من قلبه داعية العمل بكلّ مأمور و الاجتناب عن كلّ محظور، فيضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة و الملكات الحميدة، «نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ» «نُورٌ عَلى نُورٍ» و كلّ عبادة تقع على وجهها تورث في القلب صفاء يجعله مستعدّا لحصول نور فيه و انشراح و معرفة و يقين ثمّ ذلك النور و المعرفة و اليقين تحمله على عبادة أخرى و إخلاص آخر فيها يوجب نورا آخر و انشراحا أتمّ و معرفة أخرى و يقينا أقوى و هكذا إلى ما شاء اللّه جلّ جلاله، و مثل ذلك مثل من يمشي بسراج في ظلمة فكلّما أضاء له من الطريق قطعة مشى فيها فيصير ذلك المشي سببا لإضاءة قطعة أخرى منه و هكذا و في الحديث النبويّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من علم و عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم [٦]» و في كلام أمير المؤمنين عليه السّلام «انّ الإيمان ليبدو لمعة بيضاء فإذا عمل العبد الصالحات نما و زاد حتّى يبيضّ القلب كلّه و انّ النفاق ليبدو نكتة سوداء فإذا انتهك الحرمات زادت حتّى يسود القلب كلّه فيطبع على قلبه فذلك الختم و تلا
[١] البقرة: ٢٥٧.
[٢] الانعام: ١٢٢.
[٣] الانفال: ٣.
[٤] طه: ١١٤.
[٥] رواه الكليني في الكافي ج ٢ ص ٣٨ تحت رقم ٧ في حديث طويل عن العالم عليه السّلام.
[٦] قد مر في ص ١٤٨ عن أبي نعيم في الحلية.