المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧٦
السلف فإنّهم كانوا يقولون: أقرّوها كما جاءت حتّى قال مالك لمّا سئل عن الاستواء قال:
الاستواء معلوم و الكيفيّة مجهولة، و الإيمان به واجب، و السؤال عنه بدعة، و ذهب طائفة إلى الاقتصاد ففتحوا باب التأويل في كلّ ما يتعلّق بصفات اللّه تعالى و تركوا ما يتعلّق بالآخرة على ظواهرها و منعوا من التأويل و هم الأشعريّة و زاد المعتزلة عليهم حتّى أوّلوا من صفات اللّه الرؤية، و أوّلوا كونه سميعا بصيرا، و أوّلوا المعراج و زعموا أنّه لم يكن بالجسد و أوّلوا عذاب القبر و الميزان و الصراط و جملة من أحكام الآخرة و لكن أقرّوا بحشر الأجساد و بالجنّة و اشتمالها على المأكولات و المشروبات و المنكوحات و الملاذّ المحسوسة، و بالنّار و اشتمالها على جسم محسوس محرق يحرق الجلود، و يذيب الشحوم، و من ترقّيهم إلى هذا الحدّ زاد الفلاسفة فأوّلوا كلّما ورد في الآخرة و ردّوها إلى آلام عقليّة روحانيّة و لذّات عقليّة، و أنكروا حشر الأجساد، و قالوا ببقاء النفوس و أنّها تكون إمّا معذّبة و إمّا منعّمة، بعذاب و نعيم لا يدرك بالحسّ، و هؤلاء هم المسرفون، و حدّ الاقتصاد ما بين هذا الانحلال و بين جمود الحنابلة دقيق غامض لا يطّلع عليه إلّا الموفّقون الّذين يدركون الأمور بنور إلهيّ لا بالسّماع، ثمّ إذا انكشف لهم أسرار الأمور على ما هي عليها نظروا إلى السمع و الألفاظ الواردة فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرّروه و ما خالف أوّلوه، فأمّا من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرّد فلا يستقرّ له فيه قدم، و لا يتعيّن له موقف، و الأليق بالمقتصر على السمع المجرّد مقام أحمد بن حنبل، و الآن فكشف الغطاء عن حدّ الاقتصاد في هذه الأمور داخل في علم المكاشفة و القول فيه يطول فلا نخوض فيه و الغرض بيان موافقة الباطن للظاهر و مخالفته له و قد انكشف بهذه الأقسام الخمسة».
(فصل) [في انكشاف هذه الأسرار على القلوب بقدر قوّة الإيمان و اليقين]
(١) أقول: و إنّما ينكشف هذه الأسرار على القلوب بقدر قوّة الإيمان و اليقين فيها و ذلك إنّما يكون بقدر العلم الّذي به حياة القلب و هو نور يحصل في القلب بسبب ارتفاع