المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧٠
لا يفشي بل يكون الخفيّ و الجليّ واحدا، فاعلم أن هذا السؤال يحرّك خطبا عظيما و ينجرّ إلى علم المكاشفة و يخرج عن مقصود علم المعاملة و هو غرض هذا الكتاب فإنّ هذه العقائد الّتي ذكرناها من أعمال القلوب و قد تعبّدنا بتلقّيها بالقبول و التصديق بعقد القلب عليها لا بأن يتوصّل إلى أن ينكشف لنا حقائقها، فإنّ ذلك لم يكلّف به كافّة الخلق، و لو لا أنّه من الأعمال لما أوردناه في هذا الكتاب، و لو لا أنّه عمل ظاهر القلب لا عمل باطنه لما أوردناه في الشطر الأوّل من الكتاب و إنّما الكشف الحقيقي هو صفة سرّ القلب و باطنه و لكن إذا انجرّ الكلام إلى تحريك خيال في مناقضة الظاهر للباطن فلا بدّ من كلام وجيز في حلّه، فمن قال: إنّ الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يناقض الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان بل أسرار الّتي يختصّ المقرّبون بدركها و لا يشاركهم الأكثرون في علمها و يمتنعون عن إفشائها إليهم ترجع إلى خمسة أقسام:
الأوّل أن يكون الشيء في نفسه دقيقا يكلّ أكثر الأفهام عن دركه فيختصّ بدركه الخواصّ، و عليهم أن لا يفشوه إلى غير أهله إذ يصير ذلك فتنة عليهم حيث تقصر أفهامهم عن الدرك و إخفاء سرّ الروح و كفّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن بيانه من هذا القسم، فإنّ حقيقته ممّا يكلّ الأفهام عن دركه و يقصر الأوهام عن تصوّر كنهه، و لا تظنّنّ أنّ ذلك لم يكن مكشوفا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّ من لم يعرف الروح فكأنّه لم يعرف نفسه فكيف يعرف ربّه، و لا يبعد أن يكون ذلك مكشوفا لبعض الأولياء و العلماء و إن لم يكونوا أنبياء و لكنّهم يتأدّبون بأدب الشرع فيسكتون عمّا سكت عنه بل في صفات اللّه سبحانه من الخفايا ما يقصر أفهام الجماهير عن دركه و لم يذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم منها إلّا الظواهر للأفهام من العلم و القدرة و غيرهما حتّى فهمها الخلق بنوع مناسبة توهّموها إلى علمهم و قدرتهم إذا كانت لهم من الأوصاف ما يسمّى علما و قدرة فيتوهّمون ذلك بنوع مقايسة و لو ذكر من صفاته ما ليس للخلق ممّا يناسبه بعض المناسبة بشيء لم يفهموه بل لذّة الجماع إذا ذكرت للصبيّ أو العنّين لم يفهمه إلّا بمناسبة إلى لذّة المطعوم الّذي يدركه و لا يكون ذلك فهما على التحقيق، و المخالفة بين علم اللّه و قدرته و علم الخلق و قدرتهم أكثر من المخالفة بين لذّة الجماع و الأكل، و بالجملة فلا يدرك