المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٧
كالقيام بحراسة الأموال و سائر الحقوق كالقضاء و الولاية و غيرها و ما لم يشتغل العلماء بنشر ذلك و التدريس فيه و البحث عنه لا يدوم و لو ترك بالكلّيّة لا ندرس و ليس في مجرّد الطباع كفاية لحلّ شبه المبتدعة ما لم يتعلّم فينبغي أن يكون التدريس فيه أيضا من فروض الكفايات بخلاف زمان الصحابة فإنّ الحاجة ما كانت ماسّة إليه، فاعلم أنّ الحقّ أنّه لا بدّ في كلّ بلد من قائم بهذا العلم مستقلّ بدفع شبه المبتدعة الّتي ثارت في تلك البلدة و ذلك يدوم بالتعليم و لكن ليس من الصواب تدريسه عن العموم كتدريس الفقه و التفسير فإنّ هذا مثل الدّواء و الفقه مثل الغذاء و ضرر الغذاء لا يحذر و ضرر الدّواء محذور لما ذكرنا فيه من أنواع الضرر فالعالم به ينبغي أن يخصّص بتعليم هذا العلم من فيه ثلاث خصال: إحداها التجرّد للعلم و الحرص عليه، فإنّ المحترف يمنعه الشغل عن الاستتمام و إزالة الشكوك إذا عرضت، و الثانية الذّكاء و الفطنة و الفصاحة، فإنّ البليد لا ينتفع بفهمه و الفدم[١]لا ينتفع بحجاجه فيخاف عليه من ضرر الكلام و لا يرجى فيه نفعه، و الثالثة أن يكون في طبعه الصلاح و الدّيانة و التقوى و لا يكون الشهوات عليه غالبة فإنّ الفاسق بأدنى شبهة ينخلع عنه الدّين و إنّ ذلك يحلّ عنه الحجر و يرفع السدّ بينه و بين الملاذ، فلا يحرص على إزالة الشبهة بل يغتنمها ليتخلّص من أعباء التكليف، فيكون ما يفسده مثل هذا المتعلّم أكثر ممّا يصلحه، و إذا عرفت هذه الانقسامات اتّضح لك أنّ الحجّة المحمودة في الكلام إنّما هي من جنس حجج القرآن من الكلمات اللّطيفة المؤثّرة في القلوب المقنعة للنفوس دون التغلغل في التقسيمات و التدقيقات الّتي لا يفهمها أكثر الناس و إذا فهموها اعتقدوا أنّها شعبدة و صنعة تعلّمها صاحبها للتلبيس فإذا قابله مثله في الصنعة قاومه، و عرفت أنّ السلف إنّما منعوا عن الخوض فيه و التجرّد له لما فيه من الضرر الّذي نبّهنا عليه و أنّ ما نقل عن ابن عبّاس من مناظرة الخوارج و ما نقل عن عليّ عليه السّلام من المناظرة في القدر و غيره كان من الكلام الجليّ الظاهر و في محلّ الحاجة و ذلك محمود في كلّ حال.
نعم قد تختلف الأعصار في كثرة الحاجة و قلّتها و لا يبعد أن يختلف الحكم لذلك
[١] الفدم: العاجز عن التكلم، و العي عن الكلام.