المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٤
و يشتدّ حرصهم على الإصرار عليه و لكن هذا الضرر بواسطة التعصّب الّذي يثور من الجدل و لذلك ترى المبتدع العاميّ يمكن أن يزول اعتقاده باللّطف في أسرع زمان إلّا إذا كان نشوؤه في بلد يظهر فيه الجدل و التعصّب فإنّه لو اجتمع عليه الأوّلون و الآخرون لم يقدروا على نزع البدعة من صدوره بل الهوى و التعصّب و بغض خصومة المجادلين و فرق المخالفين يستولي على قلبه و يمنعه من إدراك الحقّ حتّى لو قيل له: هل تريد أن يكشف اللّه لك الغطاء و يعرّفك بالعيان أنّ الحقّ مع خصمك كره ذلك خيفة من أن يفرح به خصمه و هذا هو الداء العظيم الّذي استطار في البلاد و العباد و هو نوع فساد أثاره المجادلون بالتعصّب فهذا ضرره، و أمّا منفعته فقد يظنّ أنّ فائدته كشف الحقائق و معرفتها على ما هي عليها و هيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف و لعلّ التخبيط و التضليل فيه أكثر من الكشف و التعريف و هذا إذا سمعته من محدّث أو حشويّ ربّما خطر ببالك أنّ الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممّن خبر الكلام ثمّ قلاه بعد حقيقة الخبرة و بعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلّمين و جاوز ذلك إلى التعمّق في علوم آخر يناسب نوع الكلام و تحقّق أنّ الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود و لعمري لا ينفكّ الكلام عن كشف و تعريف و إيضاح لبعض الأمور و لكن على الندور في أمور جليّة تكاد تفهم قبل التعمّق في صنعة الكلام، بل منفعته شيء واحد و هو حراسة العقيدة الّتي ترجمناها على العوام و حفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل، فإنّ العاميّ ضعيف يستفزّه جدل المبتدع و إن كان فاسدا و معارضة الفاسد بالفاسد تدفعه، و الناس متعبّدون بهذه العقائد إذ ورد بها الشرع لما فيها من صلاح دينهم و دنياهم و العلماء متعبّدون بحفظ ذلك على العوام من تلبيسات المبتدعة كما تعبّد السلاطين بحفظ أموالهم عن تهجّمات الظلمة و الغصّاب، و إذا وقعت الإحاطة بضرره و منفعته فينبغي أن تكون كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء المخطر إذ لا يضعه إلّا في موضعه، و ذلك في وقت الحاجة و على قدر الحاجة، و تفصيله أنّ العوام المشغولين بالحرف و الصناعات يجب أن يتركوا على سلامة عقائدهم الّتي اعتقدوها مهما تلقّفوا الاعتقاد الحقّ الّذي ذكرناه فإنّ تعليمهم الكلام ضرر محض في حقّهم إذ ربّما يثير لهم شكّا و يزلزل عليهم